يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الفقيه الحافظ الزاهد أحد الأعلام شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا الحزامي النووي بحذف الألف ويجوز إثباتها الدمشقي ([1])والنووي بحذف الألف ويجوز إثباتها ([2])
فيقال “النووي” أو “النواوي”
ويُلقب النووي بشيخ الشافعية، فإذا أُطلق لفظ “الشيخين” عند الشافعية أُريد به النووي وأبو القاسم الرافعي القزويني.
ونوا
بلفظ جمع نواة التمر وغيره بليدة من أعمال حوران وقيل هي قصبتها بينها وبين دمشق منزلان وهي منزل أيوب عليه السلام وبها قبر سام بن نوح عليه السلام فيما زعموا ([3])
نوى الان مدينة سورية تقع شمال غرب سهل حوران وتتبع إداريا لمحافظة درعا تبعد عن العاصمة دمشق 85 كم وعن مدينة درعا 40 كم. وعن الحدود السورية الفلسطينية 10كم. يبلغ عدد سكان مدينة نوى حوالي 100 ألف نسمة. يعتمد غالبية السكان على زراعة الخضراوات
كنيته أبو زكريا
وإنما كنى بأبي زكريا لأن اسمه يحيى والعرب تكني من كان كذلك بأبي زكريا التفاتا إلى نبي الله يحيى وأبيه زكريا ـ عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ كما تكني من كان اسمه يوسف بأبي يعقوب ومن اسمه إبراهيم بأبي إسحاق ، ومن اسمه عمر بأبي حفص على غير قياس ([4])
لقبه
وأما لقبه: فقد لُقب بمحيي الدين، وكان يكره أن يُلقب به تواضعاً، أو لأن الدين حي ثابت دائم غير محتاج إلى من يحييه، حتى يكون حجة قائمة على من أهمله أو نبذه، قال أبو العباس الإشبيلي: وصح عنه أنه قال: «لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين»([5])
أبوه”
أما أبوه فهو: شرف بن مُرِّي، كان دُكّانياً بنوى، أي كان له دُكّان يبيع فيها ويشتري، ووصفه تلميذ النووي علاء الدين بن العطار بقوله: «الشيخ الزاهد الورع ولي الله»، وقال الذهبي: «وكان شيخاً مباركاً»، ولما مات سنة 685هـ صُلّي عليه صلاة الغائب، وهذا يدل على شهرة صلاحه، وقد عاش بعد وفاة ابنه تسع سنين وقد جاوز السبعين. ([6])
جدهم
هو حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الحزامي بحاء مهملة وزاي نزل حسين بالجولان بقرية نوى على عادة العرب فأقام بها ورزقه الله ذرية إلى أن صار منهم عدد كثير ([7]) قال الشيخ محيي الدين زعم بعض أجدادي أن نسبه إلى حزام والد حكيم رضي الله عنه ([8]) وهو غلط ([9])
ما قاله عن نفسه”
قال ابن العطار قال لي الشيخ فلما كان لي تسع عشرة سنة قدم بي والدي إلى دمشق سنة تسع وأربعين فسكنت المدرسة الرواحية وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض وكان قوتي بها جراية المدرسة لا غير وحفظت التنبيه في نحو أربعة
أشهر ونصف ، قال وبقيت أكثر من شهرين أو أقل لما قرأت يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج أعتقد أن ذلك قرقرة البطن وكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني وقرأت حفظا ربع المهذب في باقي السنة وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا كمال الدين إسحاق المغربي ولازمته فأعجب بي وأحبني وجعلني أعيد لأكثر جماعته فلما كانت سنة إحدى وخمسين حججت مع والدي وكانت وقفة الجمعة وكان رحيلنا من أول رجب فأقمنا بالمدينة نحوا من شهر ونصف.
وذكر والده قال لما توجهنا من نوى أخذته الحمى فلم تفارقه إلى يوم عرفة ولم يتأوه قط.
قال وذكر لي الشيخ أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا درسين في الوسيط ودرسا في المهذب ودرسا في الجمع بين الصحيحين ودرسا في صحيح مسلم ودرسا في اللمع لابن جنى ودرسا في اصطلاح المنطق لابن السكيت ودرسا في التصريف ودرسا في أصول الفقه تارة في اللمع لأبي إسحاق وتارة في المنتخب لفخر الدين ودرسا في أسماء الرجال ودرسا في أصول الدين وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة وبارك الله لي في وقتي وخطر لي الاشتغال بعلم الطب فاشتريت كتاب القانون فيه وعزمت على الاشتغال فيه فأظلم على قلبي وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال بشيء ففكرت في أمري ومن أين دخل على الداخل فألهمني الله أن سببه اشتغالي بالطب فبعت القانون في الحال فاستنار قلبي ([10])
شيوخه”
قرأ على أبي إسحاق المرادي وأخذ أصول الفقه عن القاضي أبي الفتح التفليسي وتفقه على الكمال إسحاق المغربي وشمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي وعز الدين عمر بن أسعد الإربلي وكمال الدين سلار الإربلي قرأ على ابن مالك كتابا من تصانيفه وعلق عنه أشياء ([11])
وسمع من ابن عبد الدايم والزين خالد وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز القاضي عماد الدين بن الحرستاني وابن أبي اليسر ويحيى الصيرفي والصدر البكري والشيخ شمس الدين بن أبي عمر وطائفة سواهم
وأخذ علم الحديث عن جماعة من الحفاظ فقرأ كتاب الكمال لعبد الغني على أبي البقا خالد النابلسي وشرح مسلم وشرح مسلم ومعظم البخاري على المرادى ([12])
و كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا ([13])
تلاميذه”
وأخذ عنه القاضي صدر الدين سليمان الجعبري خطيب داريا والشيخ شهاب الدين بن جعوان والشيخ علاء الدين بن العطار وأمين الدين سالم والقاضي شهاب الدين الإربدي
وروى عنه ابن العطار والمزي وابن أبي الفتح وجماعة ([14])
وتخرج به جماعة من العلماء منهم الخطيب صدر الدين سليمان الجعفري وشهاب الدين أحمد بن جعوان وشهاب الدين الأربدي وعلاء الدين بن العطار
قال القاضي عز الدين ابن الصائغ لو أدرك القشيري النووي وشيخه كمال الدين إسحاق لما قدم عليهما في ذكره لمشايخها يعني الرسالة أحدا لما جمع فيهما من العلم والعمل والزهد والورع والنطق بالحكمة
وقال ابن العطار ذكر لي شيخنا أنه كان لا يضيع له وقتا في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم حتى في ذهابه في الطريق يكرر أو يطالع وأنه بقي على هذا ست سنين ثم اشتغل بالتصنيف والأشغال والنصح للمسلمين وولاتهم مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه والعمل بدقائق الفقه والحرص على الخروج من خلاف العلماء والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب يحاسب نفسه على الخطوة بعد الخطوة وكان محققا في علمه وفنونه مدققا في علمه وشؤونه حافظا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عارفا بأنواعه من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه واستنباط فقهه حافظا للمذهب وقواعده وأصوله وأقوال الصحابة والتابعين واختلاف العلماء ووفاقهم سالكا في ذلك طريقة السلف قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل بالعلم وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد عشاء الآخرة ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر ولم يتزوج
وقد ولي دار الحديث الأشرفية بعد موت أبي شامة سنة خمس وستين إلى أن توفي ولم يأخذ لنفسه شيئا من معلومها ([16])
قال علاء الدين بن العطار وله مسودات كثيرة ولقد أمرني مرة ببيع كراريس نحو ألف كراس بخطه وأمرني أن أقف على غسلها في الوراقة فلم أخالف أمره وفي قلبي منها حسرات ([17])
قال شيخنا الرشيد بن المعلم عذلت الشيخ محي الدين في عدم دخوله الحمام وتضييق العيش في مأكله وملبسه وأحواله وخوفته من مرض يعطله عن الاشتغال فقال إن فلانا صام وعبد الله حتى اخضر جلده وكان يمنع من أكل الفواكه والخيار ويقول أخاف أن يرطب جسمي ويجلب النوم وكان يأكل في اليوم والليلة أكلة ويشرب شربة واحدة عند السحر
قال بن العطار كلمته في الفاكهة فقال دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك من تحت الحجر والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة وفيها خلاف فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك ([18])
يقول الذهبي : لازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والأوراد والصيام والذكر والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها ملبسه ثوب خام وعمامته شبختانية صغيرة ([19])
وقال الكمال جعفر الأدفوي :
إنه صنف تصانيف مفيدة حصل النفع بها ودارت عليه الفتوى بدمشق.
قال ومآثره عزيزة عزيزة ومضى على جميل وسداد.
قال وكان فقده من أعظم المصائب وعدمه بليه رمت العباد بسهم من البلاء صائب ، رحمه الله ونفعنا ببركته وحشرنا معه في آخرته في دار كرامته
وقال اليافعي :
شيخ الإسلام مفتي الأنام المحدث المتقن المدقق النجيب الحبر المفيد القريب والبعيد محرر المذهب وضابطه ومرتبه أحد العباد الورعين الزهاد العالم العامل المحقق الفاضل الولي الكبير السيد الشهير ذو المحاسن العديدة والسير الحميدة والتصانيف المفيدة الذي فاق جميع الأقران وسارت بمحاسنه الركبان واشتهرت فضائله في سائر البلدان وشوهدت له الكرامات وارتقى في أعلى المقامات ناصر السنة ومتعمد الفتاوى ذو الورع الذي لم يبلغنا مثله عن أحد في زمانه ولا قبله ([20])
وقد وصفه ابن العطار بقوله: «شيخي وقدوتي، الإمام ذو التصانيف المفيدة والمؤلفات الحميدة، أوحد دهره وفريد عصره، الصوّام القوّام، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته، وجلالته وزهده، وورعه وعبادته، وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطافحة، والمكرمات الواضحة، والمؤثر بنفسه وماله للمسلمين، والعالم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، … قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل، فبعضها للتصنيف، وبعضها للتعليم، وبعضها للصلاة، وبعضها للتلاوة والتدبر، وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.»
وقال الشيخ أبو عبد الرحيم محمد الإخميمي: «كان الشيخ محيي الدين رحمه الله سالكاً منهاج الصحابة رضي الله عنهم، ولا أعلم أحداً في عصرنا سالكاً على منهاجهم غيره».
وقال الذهبي: «الشيخ الإمام القدوة، الحافظ الزاهد، العابد الفقيه، المجتهد الرباني، شيخ الإسلام، حسنة الأنام»، وقال ابن كثير: «الشيخ الإمام، العلامة الحافظ، الفقيه النبيل، محرر المذهب ومذهبه، وضابطه ومرتبه، أحد العباد والعلماء الزهاد، كان على جانب كبير من العلم والعمل والزهد والتقشف، والاقتصاد في العيش والصبر على خشونته، والتورع الذي لم يبلغنا عن أحد في زمانه ولا قبله بدهر طويل».
وقال الشيخ شمس الدين بن الفخر الحنبلي: «كان إماماً بارعاً حافظاً متقناً، أتقن علوماً جمة وصنف التصانيف الجمة، وكان شديد الورع والزهد، تاركاً لجميع الرغائب من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من كعك وتين»، وأرخه الشيخ قطب الدين اليونيني وقال: «كان أوحد زمانه في العلم والورع والعبادة والتقلل وخشونة العيش، واقف الملك الظاهر بدار العدل غير مرة، فحُكي عن الملك الظاهر أنه قال: أنا أفزع منه».
وقال تاج الدين السبكي في ترجمة الإمام النووي:
«شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللاحقين، والداعي إِلى سَبِيل السالفين. كَانَ يحيى رَحمَه الله سيداً وَحَصُوراً، وليثاً على النَّفس هصوراً، وزاهداً لم يبال بخراب الدُّنْيَا إِذا صير دينه ربعاً معموراً، لَهُ الزّهْد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة، والمصابرة على أَنْوَاع الْخَيْر، لَا يصرف سَاعَة فِي غير طَاعَة، هَذَا مَعَ التفنن فِي أَصْنَاف الْعُلُوم، فقهاً ومتونَ أَحَادِيث وَأَسْمَاءَ رجال ولغةً وتصوفاً وَغيرَ ذَلِك.»
ولعل من أجمع ما قيل في الثناء عليه ما قاله تلميذه الآخر أبو العباس بن فرح: «كان الشيخ محيي الدين قد صار إليه ثلاث مراتب، كل مرتبة منها لو كانت لشخص شدت إليه آباط الإبل من أقطار الأرض، المرتبة الأولى: العلم والقيام بوظائفه، الثانية: الزهد في الدنيا، الثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ونقل تاج الدين السبكي عن والده تقي الدين السبكي: أنه لما سكن في قاعة دار الحديث الأشرفية في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، كان يخرج في الليل إلى إيوانها ليتهجد تجاه الأثر الشريف، ويُمرغ وجهه على البساط، وهذا البساط من زمان الأشرف الواقف، وعليه اسمه، وكان النووي يجلس عليه وقت الدرس، فأنشدني الوالد لنفسه:
وفي دار الحديث لطيفُ معنى على بُسط لها أصبو وآوي
عساني أن أمس بحُرّ وجهي مكاناً مسّه قدمُ النواوي([21])
قال عنه الإمام جلال الدين السيوطي (رحمه الله) في كتابه طبقات الحفاظ: وكان إماما بارعا حافظا متقنا، اتقن علوما شتى وبارك الله في علمه وتصانيفه لحسن قصده، وكان شديد الورع والزهد، أمّارا بالمعروف ناهيا عن المنكر، تهابه الملوك، تاركا لجميع ملاذ الدنيا ولم يتزوج، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد أبي شامة (رحمهما الله)، فلم يتناول منها درهما([22])
قال عنه الشيخ ابن عثيمين (رحمه الله): “النووي رجل ناصح، وله قدم صدق بالإسلام، ويدل على ذلك قبول مؤلفاته حتى إنك لا تجد مسجدا من مساجد المسلمين إلا تجد فيه كتابه رياض الصالحين”
من مناقبه”
حكى والده لأبي الحسن بن العطار أن الشيخ كان نائما إلى جنبه وهو ابن سبع سنين ليلة السابع والعشرين من رمضان قال فانتبه نحو نصف الليل وأيقظني وقال يا أبه ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار فاستيقظ أهلي كلهم فلم نر شيئا فعرفت أنها ليلة القدر
وقال ابن العطار ذكر لي الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي رحمه الله قال رأيت الشيخ محيي الدين وهو ابن عشر بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب ويبكي ويقرأ القرآن في ذلك الحال فوقع في قلبي محبته وجعله أبوه في دكان بالقرية فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن فوصيت الذي يقرئه وقلت هذا يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وقيل لي أمنجم أنت قلت لا إنما أنطقني الله بذلك فذكر ذلك لوالده فحرص عليه ([23])
وكان لا يقبل من أحد شيئا إلا في النادر ممن لا يشتغل عليه أهدى له فقير إبريقا فقبله وعزم عليه الشيخ برهان الدين الإسكندراني أن يفطر عنده فقال احضر الطعام إلى هنا ونفطر جملة فأكل من ذلك
وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار ويكتب إليهم ويخوفهم بالله تعالى كتب مرة من عبد الله يحيى النواوي
سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين أدام الله الخيرات وتولاه بالحسنات وبلغه من خيرات الدنيا والآخرة كل آماله وبارك له في جميع أحواله آمين ([24])
يقول السخاوي “ومن ورع النووي أنه كان لا يأكل من فاكهة دمشق، كما اتفق على ذلك من أرخ له، يقول ابن العطار: وسألته عن ذلك فقال: «إنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرف في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة، والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟»([25])
حكى بدر الدين بن جماعة أنه سأله عن نومه، فقال: «إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه».
قال ابن العطار: «ورأيت رجلاً من أصحابه قشر خيارة ليطعمه إياها، فامتنع من أكلها وقال: أخشى أن ترطب جسمي وتجلب النوم»، وقال السخاوي: «ونحوه عدم تعاطيه البلح على عادة الدمشقيين».
ويقول النووي في مقدمة كتابه روضة الطالبين وعمدة المفتين: «فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجل الطاعات، وأهم أنواع الخير وآكد العبادات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، وشمَّر في إدراكه والتمكن فيه أصحاب الأنفس الزكيات، وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى المكرمات، وسارع إلى التحلي به مستبقو الخيرات، وقد تظاهر على ما ذكرته جمل من آيات القرآن الكريمات، والأحاديث الصحيحة النبوية المشهورات، ولا ضرورة إلى الإطناب بذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات.».([26])
يقول ابن العطار: «وكان مواجهاً للملوك والجبابرة بالإنكار، لا يأخذه في الله لومة لائم، وكان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل، وتوصل إلى إبلاغها».
وقال ابن كثير: «إنه قام على الظاهر في دار العدل في قضية الغوطة لما أرادوا وضع الأملاك على بساتينها، فرد عليهم ذلك، ووقى الله شرها بعد أن غضب السلطان، وأراد البطش به، ثم بعد ذلك أحبه وعظمه، حتى كان يقول: أنا أفزع منه»
عندما خرج الظاهر بيبرس لقتال التتار بالشام طلب فتاوى العلماء بأنه يجوز أخذ مال من الرعية ليستنصر به على قتال العدو، فكتب له فقهاء الشام بذلك، وقتل خلقاً كثيراً من العلماء بسبب إفتائهم له بعدم الجواز، فقال: «هل بقي أحد؟» فقالوا: «نعم، بقي الشيخ محيي الدين النووي»، فطلبه فقال: «اكتب خطك مع الفقهاء»، فامتنع وقال: «لا»، فقال: «ما سبب امتناعك؟» فقال: «أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار، وليس لك مال، ثم مَنّ الله عليك وجعلك ملكاً، وسمعت أن عندك ألف مملوك كلهم عنده حياصة من ذهب، وعندك مئتا جارية، لكل جارية حق من الحلي، فإذا أنفقت ذلك كله، وبقيت مماليكك بالبنود الصوف بدلاً عن الحياصات الذهب وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، ولم يبق في بيت المال شيء من نقد أو متاع أو أرض، أفتيتك بأخذ المال من الرعية، وإنما يُستعان على الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثار نبيه ﷺ»، فغضب السلطان من كلامه وقال: «اخرج من بلدي» يعني دمشق، فقال: «السمع والطاعة»، وخرج إلى نوى، فقيل للملك: «ما سبب عدم قتلك له؟» فقال: «كلما أردت قتله أرى على عاتقه سَبْعَين يريدان افتراسي فأمتنع من ذلك»، أي إن خوفه منه كان بهذه المثابة، وكثيراً ما صرح أنه يخافه. ولما رأى النووي أن المواجهة لم تُجدِ نفعاً عمد إلى الكتابة إليه بأسلوب فيه ترغيب وترهيب، فكتب إليه ووقع معه بعض العلماء، وكان مما كتبه([27])([28])
فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه، وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: «إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب»، ولما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفده، مشى بنفسه إلى السلطان وقابله وكلمه كلاماً شديداً، فأراد السلطان أن يبطش به، «فصرف الله تعالى قلبه عن ذلك وحمى الشيخ، وأبطل السلطان أمر الحوطة، وخلَّص الله تعالى الناس من شرها» على قول المؤرخين المسلمين.([29])
وتولى رئاسة دار الحديث الأشرفية، إلى أن وافته المنية سنة 676هـ.
وهي دار الحديث الأشرفية إحدى دور تعليم الحديث الشريف تقع في مدينة دمشق في منطقة سوق العصرونية بجوار الباب الشرقي لقلعة صلاح الدين.
وكانت المركز الأول لعلم الحديث بدمشق.
كانت داراً للأمير صارم الدين قيماز بن عبد الله النجمي المتوفى سنة 696 هـ. اشتراها الملك الأشرف مظفر الدين من ملوك الدولة الأيوبية وبناها داراً للحديث الشريف وكان علي مشيختها الشيخ تقي الدين بن الصلاح الذي أملى بها الحديث الشريف وألـّـف مقدمته الشهيرة بـ«مقدمة ابن الصلاح». تعاقب على مشيختها عدة علماء كان آخرهم الشيخ «حسين صعبية» الذي توفي يوم الثلاثاء 10/3/1442 هجري الموافق ل 27 أوكتوبر 2020.
وقيل أول من وليَ مشيختها، وتصدر للتدريس فيها، وألف بها كتابه «علوم الحديث» الشهير بـ«مقدمة ابن الصلاح»، ومن بعده الإمام أبو شامة (ت 665هـ/1267م) صاحب «شرح الشاطبية»، والذي اختصر «تاريخ دمشق» لابن عساكر، فالإمام النووي
وصفه”
قال الذهبي كان أسمر كث اللحية ربعة ، مهيبا قليل الضحك ،عديم اللعب ، بل جد صرف يقول الحق وإن كان مرا لا يخاف في الله لومة لائم.
ووصفه الذهبي أيضا بأن لحيته سوداء فيها شعرات بيض وعليه هيئة وسكينة.
وأما بزته فقال الذهبي في تاريخ الإسلام وكان في ملبسه مثل أحاد الفقهاء من الحوارنة لا يؤمه له عليه شبختانية صغيرة.
وقال في التذكرة وكان يلبس الثياب الرثة ولا يدخل الحمام وكانت أمه ترسل له القميص ونحوه ليلبسه ([30])
عقيدته
كان النووي أشاعري كغالبية علماء الشافعية ، وقد صرح اليافعي وتاج الدين السبكي أنه أشعري، وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: «وكان مذهبه في الصفات السمعية السكوت، وإمرارها كما جاءت، وربما تأول قليلاً في شرح مسلم»، فتعقبه السخاوي فقال: «كذا قال! والتأويل كثير في كلامه». ثم قال الذهبي بعد ذلك: «والنووي رجل أشعري العقيدة معروف بذلك، يبدع من خالفه ويبالغ في التغليظ عليه» وللإمام النووي مؤلف في التوحيد، وهي رسالة سماها المقاصد.([31])
مولده”
ولد بنوى سنة إحدى وثلاثين وستمائة ونوى قرية من قرى حوران ([32]) وقيل ولد في المحرم ([33]) في العشر الأوسط من المحرم ([34]) 631 هـ ([35])
اتفق المؤرخون على تحديد شهر محرم من عام واحد وثلاثين وستمائة للهجرة لزمن ولادته ([36])
وفاته”
مات ببلده نوى بعد ما زار القدس والخليل في رجب سنة سبع وسبعين وستمائة ودفن بها ([37]) في ليلة أربع وعشرين من رجب ([38]) ([39]) ([40])
وقد سافر الشيخ فزار بيت المقدس وعاد إلى نوى فمرض عند والده فحضرته المنية فانتقل إلى رحمة الله في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة وقبره ظاهر يزار ([41])
يقول التاج السبكي: «لما مات النووي بنوى ارتجت دمشق وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وأحيوا ليالي كثيرة لسنته».
وقال ابن العطار: «… فسار إلى نوى وزار القدس والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته لها في بيت والده، فبلغني مرضه فذهبت من دمشق لعيادته، ففرح رحمه الله بذلك، ثم قال لي: «ارجع إلى أهلك»، وودعته وقد أشرف على العافية يوم السبت العشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة، ثم توفي في ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب، فبينا أنا نائم تلك الليلة إذا منادٍ ينادي على سدة جامع دمشق في يوم جمعة: «الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع»، فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظت فقلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فلم يكن إلا ليلة الجمعة عشية الخميس إذ جاء الخبر بموته رحمه الله، فنودي يوم الجمعة عقب الصلاة بموته، وصلي عليه بجامع دمشق، فتأسف المسلمون عليه تأسفاً بليغاً، الخاص والعام، والمادح والذام».([42])
رثاؤه
قال الإمام الذهبي: ورثاه غير واحد، يبلغون عشرين نفساً بأكثر من ستمائة بيت. وممن رثوه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب، وأول قصيدته:
أكتم حزني والمدامع تُبديه لفقد امرئ كل البرية تبكيه
ومنهم الأديب نجم الدين أبو العباس أحمد بن عماد الدين محمد بن أمين الدين التغلبي، وأول مرثيته:
أعينيّ جودا بالدموع الهواملِ وجودا بها كالساريات الهواطلِ
ورثاه بعض فضلاء الحنفية وأول مرثيته:
مُصاب أصاب القلب والجفن أرّقا وخطب أتى بالحزن والصبر فرّقا
ودُفن الإمام النووي في قريته نوى، وقبره ظاهر يُزار. ومما أُثر من خبره أنه لما دنا أجله ردّ الكتب المستعارة عنده من الأوقاف جميعها. قال قطب الدين اليونيني: «ولما وصل الخبر بوفاته لدمشق، توجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة على قبره»، قال: «وكان يسأل أن يموت بأرض فلسطين، فاستجاب الله تعالى منه»
مؤلفات النووي رحمه الله
لما بلغ الثلاثين من عمره، كان له الكثير من المؤلفات، مع أنه عاش نحو ست وأربعين سنة فقط، فقد ترك من المؤلفات ما لو قُسم على سنيّ حياته لكان نصيب كل يوم كراستين، ولقد حُكي عنه أنه كان يكتب حتى تكل يده فتعجزه، فيضع القلم ثم ينشد:
لئن كان هذا الدمعُ يجري صبابة على غير سُعدى فهو دمع مُضيّع
قال الكمال الأدفوي: «كل ذلك (أي تصنيف مصنفاته) في زمن يسير وعمر قصير»، وقال ابن العطار: «وانتفع الناس بسائر البلاد بتصانيفه، وأكبوا على تحصيل تواليفه، حتى رأيت من كان يشنؤها (يبغضها) في حياته، مجتهداً في تحصيلها والانتفاع بها بعد موته، فرحمه الله ورضي عنه، وجمع بيننا وبينه في جناته».
وقد ألف النووي في علوم شتى: الفقه والحديث وشرح الحديث والمصطلح واللغة والتراجم والتوحيد وغير ذلك، وتتميز مؤلفاته بالوضوح وصحة التعبير وانسيابه بسهولة وعدم تكلف، يقول الذهبي: «إن عبارته أبسط من كلامه»، وأسلوبه أسلوب عصره مع عذوبة في الألفاظ، حتى إن ابن مالك النحوي الشهير اشتهى أن يحفظ المنهاج إعجاباً بما يكتب ويؤلف. ومؤلفات النووي ثلاثة أقسام: قسم أنجزه وأتمه، وقسم أدركته الوفاة قبل أن يتمه، وقسم غسل أوراقه أي محاها، وكانوا يغسلونها لأمر ما ولا يتلفونها لحاجتهم إلى ورقها. وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام المسلمين، وينتفعون بها في سائر البلاد.([43])
مؤلفات أتمها
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج.
روضة الطالبين وعمدة المفتين (في الفقه).
منهاج الطالبين وعمدة المفتين (في الفقه).
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين (في الحديث).
الأذكار المنتخب من كلام سيد الأبرار.
التبيان في آداب حملة القرآن.
التحرير في ألفاظ التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي (في اللغة).
العمدة في تصحيح التنبيه.
الإيضاح في المناسك (في الفقه).
إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق (في مصطلح الحديث).
التقريب والتيسير في معرفة سنن البشير النذير (في مصطلح الحديث).
الأربعون النووية (في الحديث).
بستان العارفين (في الرقائق).
مناقب الشافعي.
مختصر أسد الغابة (في التراجم).
الفتاوى أو المسائل المنثورة.
أدب المفتي والمستفتي. وليس هو بكتاب مفرد بل هو قطعة من مقدمة كتاب المجموع أفرده بعضهم بالطبع فاشتهر حديثاً على أنه كتاب مفرد.
مسائل تخميس الغنائم.
مختصر التذنيب للرافعي.
دقائق الروضة.
دقائق المنهاج.
تحفة طلاب الفضائل (في التفسير والحديث والفقه واللغة).
الترخيص في الإكرام والقيام (في الفقه).
مختصر آداب الاستسقاء.
رؤوس المسائل.
مسألة نية الاغتراف.
مؤلفات لم يتمها
المجموع شرح المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (في الفقه).
تهذيب الأسماء واللغات (في اللغة والتراجم).
قطعة من شرح الوسيط لأبي حامد الغزالي.
قطعة من شرح صحيح البخاري.
قطعة يسيرة من شرح سنن أبي داود، منشورة باسم: الإيجاز في شرح سنن أبي داود
قطعة في الإملاء على حديث الأعمال بالنيات.
كتاب الأمالي (في الحديث).
الخلاصة في أحاديث الأحكام.
مسوّدة من طبقات الفقهاء: وقد بيّضه الحافظ المزي.
قطعة من التحقيق (في الفقه): وصل فيه إلى باب صلاة المسافر.
تحفة الطالب النبيه (في الفقه).
جامع السنة.
مهمات الأحكام (في الفقه).
الأصول والضوابط (في أصول الفقه).
وقد زاد إسماعيل باشا البغدادي في كتابه “هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين” من مؤلفات النووي: الإشارات في بيان الأسماء المهمات في متون الأسانيد، تحفة الوالد ورغبة الرائد، خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام، روح المسائل في الفروع، عيون المسائل المهمة، غيث النفع في القراءات السبع، المبهم من حروف المعجم، مرآة الزمان في تاريخ الأعيان. ([44])
ومن أشهر كتبه”
كتاب منهاج الطالبين وعمدة المفتين للنووي.
هذا الكتاب في الفقه من أكثر كتب النووي تداولاً بين العلماء والطلبة، اختصره مؤلفه من كتاب “المحرر” للرافعي، وله فيه تصحيحات واختيارات، يقول ابن العطار: وقد حفظه بعد موته خلق كثير. ويقول الشيخ علي الطنطاوي: انتشرت كتب الإمام النووي في الأقطار، وعمّ النفع بها في حياته وبعد مماته، فكتابه المنهاج مثلاً لا يُحصى عدد من حفظه، لحسن اختصاره وعذوبة ألفاظه، وأكثرَ العلماء والناظمون القول في مدحه على ذلك، حتى سارت أقوالهم فيه مسير الأمثال، من ذلك ما قاله البرهان الجعبري:
لله دَرُّ إمام زاهد ورع أبدى لنا من فتاوى الفقه منهاجاً
ألفاظه كعقود الدر ساطعة على الرياض تزيد الحسن إبهاجاً
أحيا لنا الدين “محييه” فألبسه بما تنوّع من تصنيفه تاجاً
وقال تاج الدين السبكي في أول القطعة التي شرحها منه: «هذا الكتاب في هذا الوقت، هو عمدة الطلبة وكثير من الفقهاء في معرفة المذهب». يقول علي الطنطاوي: «ولا يزال كذلك إلى أيامنا هذه. وقد اشتغل به شرحاً أو تعليقاً أو نظماً أكثرُ من أربعين من فقهاء الشافعية، عدّهم السخاوي، ومن هذه الشروح ما هو موجود معروف، ومنها ما ضاع».
رياض الصالحين
يعد كتاب “رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين” للنووي أشهر كتب الحديث النبوي الشريف في الوعظ والاعتبار وأكثرها انتشاراً. وقد جمع فيه النووي ما ذكره في المقدمة، إذ قال: «فرأيت أن أجمع مختصراً من الأحاديث الصحيحة، مشتملاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين: من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين. وألتزم فيه ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً من الواضحات، مضافاً إلى الكتب الصحيحة المشهورات، وأصدر الأبواب من القرآن العزيز بآيات كريمات، وأوشح ما يحتاج إلى ضبط أو شرح معنى خفي بنفائس من التنبيهات.»
روضة الطالبين وعمدة المفتين
من الكتب الكبيرة المعتمدة في المذهب الشافعي “الروضة”، اختصرها النووي من كتاب الإمام الرافعي “شرح الكبير”، ولقد أثنى على الروضة الأئمة، فقال الأذرعي: «هي عمدة أتباع المذهب في هذه الأمصار، بل سار ذكرها في النواحي والأقطار، فصارت كتاب المذهب المطول، وإليها المفزع في النقل وعليها المعول، فإليها يلجأ الطالب النبيه، وعليها يعتمد الحاكم في أحكامه والمفتي في فتاويه، وما ذاك إلا لحسن النية وإخلاص الطوية». وقد عُني بالروضة جماعة من العلماء واشتغلوا بها اختصاراً وتعليقاً، ولقد عزم النووي قبل وفاته على غسلها (محوها) كما غسل غيرها، فقيل له: «قد سارت بها الركبان»، فقال: «في نفسي منها أشياء»، وكان يريد مراجعتها وتحريرها فلم يتسع له العمر.
شرح صحيح مسلم
يعد كتاب شرح صحيح مسلم للنووي واحداً من أشهر الكتب الإسلامية، حتى قيل: «ما عرف الناس شرحاً لكتاب في الحديث أتقن وأوفى وأبرع – مع اختصار – من كتاب شرح صحيح مسلم للنووي، فإنه لم يدع لقارئه مهما يبلغ علمه سؤالاً في سره أو في علنه إلا ووجد جوابه فيه، من بحث السند إذا كان فيه ما يبحث، ومن لغة وما يتعلق بها، ومن تسمية لما يجهل اسمه، ومن شرح المعنى، ومما يستنبط من الحديث، ومن قال بظاهر الحديث ومن خالف وما حجته، مع فوائد كثيرة وعلوم غزيرة لا تستقصى».
ويقول علي الطنطاوي: «وأما شرح مسلم فهو كتاب جليل، لا أعرف في الشروح أجلّ منه إلا شرح ابن حجر على البخاري»، وقال ابن كثير: «إنه جمع فيه شروح من سبقه من المغاربة وغيرهم». وقال السخاوي: «وقد استدرك شيخنا (يعني ابن حجر العسقلاني) على الشيخ مواضع كان غرضُه إقرارَها بالتأليف فما اتفق له، وكان شديد الأدب معه حتى سمعته مراراً يقول: لا أعرف نظيره».
كتاب المجموع شرح المهذب للنووي.
أما شرح المهذب فقد وُصف بأنه أعظم ما كتب النووي في الفقه، لم يُصنّف في مذهب الشافعية على مثل أسلوبه. قال الإسنوي وابن الملقن: «ليته أكمله ونقصت كتبه كلها». وقال ابن كثير في تاريخه: «إنه لو كمل لم يكن له نظير في بابه، فإنه أبدع فيه وأجاد، وأفاد وأحسن الانتقاد، وحرر الفقه في المذهب وغيره، والحديثَ على ما ينبغي، واللغة والعربية، وأشياء مهمة، لا أعرف في كتب الفقه أحسن منه. قال: على أنه يحتاج إلى أشياء كثيرة تزداد عليه، وتضاف إليه». وقال العثماني (قاضي صفد): «إنه لا نظير له، ولم يصنف مثله، ولكن ما أكمله ولا حول ولا قوة إلا بالله، إذ لو أكمله ما احتيج إلى غيره (أي في فقه الشافعية)، وبه عرف قدره واشتهر فضله».([45])
مؤلفات عن النووي رحمه الله، لقد ألف عدد كبير من العلماء المتأخرين والمعاصرين في فضائل النووي رحمه الله منهم:
علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود ابن العطار الشافعي، في كتاب “تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين”.
شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، في كتاب “المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي”.
جلال الدين السيوطي، في كتاب “المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي”.
محمد بن الحسن اللخمي، في أربع ورقات كما قال السخاوي.
كمال الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الشافعي القاهري المعروف بابن إمام الكاملية، في جزء سماه “بغية الراوي في ترجمة الإمام النواوي”.
أبو الفضل النويري خطيب مكة، في جزء سماه “تحفة الطالب والمنتهي في ترجمة الإمام النووي”.
شمس الدين محمد بن الفخر عبد الرحمن بن يوسف البعلي.
أحمد بن محمد السُّحَيمي المصري الشافعي.
عبد الغني الدقر (معاصر)، في كتاب “الإمام النووي: شيخ الإسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمحدثين”.
علي الطنطاوي (معاصر)، في كتاب “الإمام النووي”، ضمن سلسلة أعلام التاريخ.
محمود رجا مصطفى حمدان (معاصر)، في أطروحته للدكتوراة بعنوان “الإمام النووي وأثره في الفقه الإسلامي”.
شحادة حميدي العمري، في أطروحته للماجستير بعنوان “الإمام النووي وجهوده في التفسير”.
أحمد عبد العزيز قاسم الحداد، في أطروحته للماجستير بعنوان “الإمام النووي وأثره في الحديث وعلومه”.
يعقوب كوج يغيت، في أطروحته للماجستير بعنوان “محيي الدين النووي: حياته وآثاره ومنهجه في شرح صحيح مسلم”.
حميد الداودي، له أطروحة بعنوان “الإمام النووي المحدث الفقيه من خلال كتابيه المجموع والمنهاج”.([46])
[42] الإمام النووي، عبد الغني الدقر، وفاته وما قيل فيه، ص197-209
[43] نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، مجموعة من العلماء، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ-1987م الإمام النووي، عبد الغني الدقر، مؤلفات النووي، ص157-190 الإمام النووي، علي الطنطاوي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1399هـ-1979م، ص24
[44] نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، مجموعة من العلماء، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ-1987م الإمام النووي، عبد الغني الدقر، مؤلفات النووي، ص157-190 الإمام النووي، علي الطنطاوي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1399هـ-1979م، ص24
[45] نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، مجموعة من العلماء، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ-1987م الإمام النووي، عبد الغني الدقر، مؤلفات النووي، ص157-190 الإمام النووي، علي الطنطاوي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1399هـ-1979م، ص24
[46] نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، مجموعة من العلماء، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ-1987م الإمام النووي، عبد الغني الدقر، مؤلفات النووي، ص157-190 الإمام النووي، علي الطنطاوي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1399هـ-1979م، ص24