وُلِد الإمامُ أبو حنيفةَ النُّعمانُ بنُ ثابتٍ -رحمه اللهُ- عام 80 للهِجرةِ النَّبويَّةِ، ويُعدُّ من صغارِ التَّابعينَ؛ فقد أدرك عَصرَ الصَّحابةِ، ورأى أنسَ بنَ مالكٍ رضي اللهُ عنه، وقيل: أدرَكَ غيرَه، ولم يَرْوِ عن أحدٍ منهم شيئًا(3)، وقد كثُر الكلامُ حولَه قديمًا بين مادحٍ مُغالٍ وذامٍّ مُجافٍ، واتُّهِم في عقيدتِه بالإرجاءِ، والقولِ بخلقِ القرآنِ، ومفارقةِ منهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، بل وصل الأمرُ عند البعض إلى تكفيرِه! نسألُ اللهَ السَّلامةَ. فكان -رحمه الله- (يُحسَدُ ويُنسَبُ إليه ما ليس فيه، ويُختَلَقُ عليه ما لا يليقُ به)(4)، قال عبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ: (اعلَمْ أنَّ كثيرًا من المصنِّفينَ ينسُبُ إلى أئمَّةِ الإسلامِ ما لم يقولوه، فينسُبونَ إلى الشَّافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، وأبي حنيفةَ؛ من الاعتقاداتِ الباطلةِ ما لم يقولوه) (5).
والكلامُ في هذا الإمامِ قديمٌ مُنذُ القَرنِ الثَّاني والثَّالثِ، أوردَ كثيرًا منه عبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ -رحمهما اللهُ- في كتابِه السُّنَّة، وكانت فتنةً وقى اللهُ المُسلِمينَ شرَّها، ثمَّ خمَدت، وتضافَرت أقوالُ السَّلَفِ في طَيِّها والسُّكوتِ عنها، وعدَمِ إثارتِها، وفي أوِّلِ عَصرِ ثورةِ الطِّباعةِ طُبِع كتابُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ طبعاتٍ بدونِ ما ذكَرَه من مثالِبَ على الإمامِ أبي حنيفةَ، ثمَّ طُبِع مؤخَّرًا طبعةً فيها الكلامُ عليه، فتلقَّفَتْه نابتةٌ ظَنَّت نفسَها أنَّها أغيَرُ على منهجِ السَّلَفِ وعلى جَنابِ التَّوحيدِ من أئمَّةِ وعُلَماءِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ الذين طوَوا هذه الصَّفحةَ وأثنَوا على الإمامِ؛ فقامت هذه الفِئةُ بنَشرِ كُلِّ رذيلةٍ وتُهمةٍ اتُّهِم بها الإمامُ أبو حنيفةَ، وتلقَّف هذا بعضُ قليلي العِلمِ والفَهمِ والحِكمةِ، ونشروه رافعينَ رايةَ الذَّبِّ عن حِياضِ الدِّين ِوالمنهجِ السَّلفيِّ، ضاربينَ بأقوالِ أئمَّةِ المنهجِ السَّلَفيِّ عُرْضَ الحائطِ، وقام آخَرونَ بالرَّدِّ عليهم لتفنيدِ كلامِهم، فأصابوا وأخطؤوا، ومِن هؤلاء وهؤلاء من وضع الإمامَ في الميزانِ؛ ليرى أين ترجَحُ كِفَّتُه: في قَدحِه أم مدحِه؛ ليخرجوا بعد ذلك بنتيجةٍ: هل هو من أئمَّةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، أم من أئمَّةِ أهلِ الضَّلالِ والبِدَعِ، بَلْهَ الكُفرِ؟! فيا سُبحانَ اللهِ!
وإنَّه لمِنَ الخطأِ المنهجيِّ أن يوضَعَ إمامٌ كأبي حنيفةَ ومن في طبَقتهِ في ميزانِ التَّرجيحِ، وليس معنى هذا عدمَ النَّقدِ؛ فليس في الإسلامِ معصومٌ إلَّا الأنبياءُ، لكِنْ نَقدُ العالِمِ وتخطئتُه فيما أخطأ وخالف فيه الصَّوابَ شَيءٌ، ووضْعُه في ميزانِ التَّجريحِ والتَّرجيحِ وجمعُ أقوالِ الذَّامِّينَ والمادِحينَ لترجيح ِكِفَّةِ أحَدِهما على الآخَرِ شَيءٌ آخَرُ مرفوضٌ، رفَضَه عُلَماءُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ. وهذا العلَّامةُ الذَّهبيُّ لَمَّا ألَّف كتابَه “ميزانُ الاعتدالِ” أبى أن يضَعَ أبا حنيفةَ ومن هم في طبقتِه في الميزانِ، فقال في مقدِّمةِ كتابه: (لا أذكُرُ في كتابي من الأئمَّةِ المتبوعينَ في الفُروعِ أحدًا؛ لجلالتِهم في الإسلامِ وعظمتِهم في النُّفوسِ، مِثلُ أبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ، والبُخاريِّ)(6)، وتَبِعه على ذلك الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في “لِسان الميزانِ”، ولم يذكُرْه رغمَ أنَّه في اللِّسانِ زاد زياداتٍ على الميزانِ. أفلا تأدَّبَ هؤلاء بأدبِ العُلَماءِ مع العُلَماءِ؟!
فمِن الخطأِ البحثُ في عدالةِ وديانةِ الأئمَّةِ المتبوعينَ، كأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وغيرِهما؛ قال أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ: (إنَّ الرَّاويَ لا يخلو إمَّا أن يكونَ معلومَ العَدالةِ، أو معلومَ الفِسقِ، أو مجهولَ الحالِ؛ فإن كانت عدالتُه معلومةً كالصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، أو أفاضِلِ التَّابعينَ؛ كالحسَنِ، وعطاءٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخعيِّ، وأجلَّاءِ الأئمَّةِ؛ كمالكٍ، وسُفيانَ، وأبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، ومَن يجري مجراهم- وجَب قَبولُ خَبرِه، ولم يجِبِ البحثُ عن عدالتِه)(7)، أمَّا ضَعفُه في الحديثِ وخِفَّةُ ضبطِه، فهذا لا يقدَحُ في عدالتِه وعقيدتِه وديانتِه.
وربَّما كانت مُصادمةُ الكِبارِ وتسفيهُهم والحطُّ من شأنِهم والوَلَعُ بالرَّدِّ عليهم سمةً عِندَ البَعضِ يغتَرُّ بها الصِّغارُ لخلَلٍ في التصوُّرِ، وهو ظنُّهم أنَّ الرَّادَّ أكثَرُ تمسُّكًا بمنهجِ السَّلَفِ من المردودِ عليه والسَّاكتينَ عنه.
لذلك فلن أسلُكَ في هذه المقالةِ القصيرةِ هذا المسلَكَ المُعوَجَّ، لكِنْ سأبنيها على ثلاثةِ محاوِرَ:
المحوَرُ الأوَّلُ: عقيدةُ الإمامِ أبي حنيفةَ رحِمَه اللهُ.
المحوَرُ الثَّاني: ثناءُ أئمَّةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ عليه.
المحوَرُ الثَّالِثُ: كَلِمةٌ أخيرةٌ.
المحوَرُ الأوَّلُ: عقيدةُ الإمامِ أبي حنيفةَ رحِمَه اللهُ.
ليُعلَمْ أوَّلًا أنَّ عقيدةَ الإمامِ التَّابعيِّ أبي حنيفةَ هي عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في سائِرِ مسائِلِ الاعتقادِ؛ في التَّوحيدِ، والقَدَرِ، والنبُوَّاتِ، والأسماءِ والصِّفاتِ، والقُرآنِ، وغيرِها من مسائِلِ الاعتقادِ؛ فقد كان -رحِمَه اللهُ- على طريقةِ السَّلَفِ، ولم يخالِفْ شيئًا من أصولِهم إلَّا في مسألةِ الإيمانِ؛ فكان مذهَبُه أنَّ الإيمانَ هو التَّصديقُ بالقَلبِ، والإقرارُ باللِّسانِ، لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ، وأنَّ العمَلَ ليس داخِلًا في مُسمَّى الإيمانِ، وهذا -بلا شكٍّ- خِلافُ مَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ الذين قالوا: إنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ ونيَّةٌ (اعتقادٌ)؛ قولٌ باللِّسانِ، وعَمَلٌ بالأركانِ (الجوارحِ)، واعتقادٌ بالجَنانِ (القَلبِ)، يزيدُ وينقُصُ، وليس أبو حنيفةَ أوَّلَ ولا آخِرَ من يخطئُ، فلنأخُذْ ما أصاب فيه، ونذَرْ ما أخطأ فحَسْبُ، قال قِوامُ السُّنَّةِ أبو محمَّدٍ إسماعيلُ الأصفهانيُّ: (أخطأ ابنُ خُزيمةَ في حديثِ الصُّورةِ، ولا يُطعَنُ عليه بذلك، بل لا يُؤخَذُ عنه هذا فحَسبُ)(8).
قال ابنُ عبدِ البَرِّ رحِمَه اللهُ : (أجمعَ أهلُ الفِقهِ والحديثِ على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ، ولا عمَلَ إلَّا بنيَّةٍ، والإيمانُ عِندَهم يزيدُ بالطَّاعةِ ويَنقُصُ بالمعصيةِ، والطَّاعاتُ كُلُّها عِندَهم إيمانٌ، إلَّا ما ذُكِر عن أبي حنيفةَ وأصحابِه؛ فإنَّهم ذهَبوا إلى أنَّ الطَّاعاتِ لا تُسَمَّى إيمانًا، قالوا: إنَّما الإيمانُ التَّصديقُ والإقرارُ)(9)، وهذا ثابتٌ عنه -رحِمَه اللهُ-، وهو محجوجٌ بإجماعِ من سبَقَه من الصَّحابةِ والتَّابعينَ قَبلَه، لكِنْ مخالفتُه هذه ليست كمخالفةِ المُرجِئةِ الجَهميَّةِ الذين يقولون: الإيمانُ هو التَّصديقُ، ولا يضُرُّ بَعدَه تَركُ الفرائِضِ وسائِرِ الأعمالِ بالكُلِّيَّةِ؛ فأبو حنيفةَ وغيرُه من فُقَهاءِ الكوفةِ وقَعوا في هذا النَّوعِ من الإرجاءِ الذي أطلق عليه العُلَماءُ فيما بَعدُ: إرجاءَ الفُقَهاءِ، ورَغمَ أنَّه خلاف منهج السلف إلَّا أنَّه أخفُّ بكثيرٍ من بِدعةِ المُرجِئةِ، وما عَلِمْنا أحدًا من الأئمَّةِ أخرج هؤلاء من أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، ولا أطلَقوا عليهم مُسمَّى المبتدعة، وعدَّ بعضُهم الخلافَ بَينَهم وبَينَ قَولِ السَّلَفِ خِلافًا لفظيًّا؛ قال ابنُ تيميَّةَ: (هذه البِدعةُ أخفُّ البِدَعِ؛ فإنَّ كثيرًا من النِّزاعِ فيها نِزاعٌ في الاسمِ واللَّفظِ دونَ الحُكمِ؛ إذ كان الفُقَهاءُ الذين يضافُ إليهم هذا القولُ -مِثلُ حمَّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ، وأبي حنيفةَ، وغيرِهما- هم مع سائِرِ أهلِ السُّنَّةِ متَّفِقون على أنَّ اللهَ يُعذِّبُ من يُعذِّبُه من أهلِ الكبائِرِ بالنَّارِ، ثمَّ يخرِجُهم بالشَّفاعةِ، كما جاءت الأحاديثُ الصَّحيحةُ بذلك، وعلى أنَّه لا بدَّ في الإيمانِ أن يتكلَّمَ بلسانِه، وعلى أنَّ الأعمالَ المفروضةَ واجبةٌ، وتارِكُها مستحِقٌّ للذَّمِّ والعِقابِ؛ فكان [النِّزاعُ] في الأعمالِ: هل هي من الإيمانِ، وفي الاستِثناءِ، ونحوِ ذلك، عامَّتُه نزاعٌ لفظيٌّ؛ فإنَّ الإيمانَ إذا أُطلِقَ دخلت فيه الأعمالُ)(10)، وقال الذَّهبيُّ عن مُرجِئةِ الفُقَهاءِ: (إنَّهم لا يَعُدُّونَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ من الإيمانِ، ويقولونَ: الإيمانُ إقرارٌ باللِّسانِ، ويقينٌ في القَلبِ، والنِّزاعُ على هذا لفظيٌّ إن شاء اللهُ، وإنَّما غُلُوُّ الإرجاءِ من قال: لا يَضُرُّ مع التوحيدِ تَركُ الفرائضِ. نسألُ اللهَ العافيةَ)(11).
ومن أفضَلِ مَن بحَث أصولَ الدِّينِ والاعتقادِ عندَ الإمامِ أبي حنيفةَ دِراسةً عِلميَّةً نَقديَّةً: الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الخميِّس في أطروحتِه للدُّكتوراه، في جامعةِ الإمام محمَّد بن سُعود الإسلاميَّة بالرياض والتي نالت مرتبةَ الشَّرَفِ الأُولى، ثم طُبِعَت قَبلَ ثلاثينَ عامًا، بعنوانِ: (أصولُ الدِّينِ عندَ الإمامِ أبي حنيفةَ) في (700) صفحةٍ، فمن أراد التوسُّعَ في معرفةِ عقيدةِ الإمامِ، فعليه بهذا الكتابِ، ومن أراد التثَبُّتَ من الرِّواياتِ والآثارِ التي وردت عن أبي حنيفةَ، فعليه ببَحثٍ مُحكَّمٍ للدُّكتورِ محمَّدِ بنِ عبدِ العزيزِ الشَّايع، بعنوانِ: (الآثارُ الواردةُ عن السَّلَفِ في الإمامِ أبي حنيفةَ – دراسةٌ عَقَديَّةٌ نَقديَّةٌ) نُشِر في مجلَّةِ العلومِ الشَّرعيَّةِ واللُّغةِ العربيَّةِ، الصَّادرةِ من جامعةِ الأميرِ سَطَّامِ بنِ عبدِ العزيزِ، وللشَّيخِ يوسُف الغُفيص تعليقاتٌ مُفيدةٌ في شَرحِه على الطَّحاويةِ، وفي رسالتِه للدُّكتوراه (التَّداخُلُ العَقَديُّ). ولْيَدَع بُنَيَّاتِ الطَّريقِ وجَعجَعةَ المُشغِّبينَ!
وأختِمُ هذا المحورَ بأقوالٍ لابنِ تيميَّةَ، وابنِ بازٍ، وابنِ عُثَيمين.
قال شيخُ الإسلامِ ابن تيمية: (من رحمةِ اللهِ بعبادِه أنَّ الأئمَّةَ الذين لهم في الأمَّةِ لِسانُ صدقٍ، كالأئمَّةِ الأربعةِ وغَيرِهم، كانوا يُنكِرونَ على أهلِ الكلامِ من الجَهميَّةِ قولَهم في القرآنِ والإيمانِ وصِفاتِ الرَّبِّ، وكانوا متَّفِقينَ على ما كان عليه السَّلَفُ من أنَّ اللهَ يُرى في الآخرةِ، وأنَّ القُرآنَ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، وأنَّ الإيمانَ لا بُدَّ فيه من تصديقِ القَلبِ واللِّسانِ)(12).
وقال: (إنَّ الأئمَّةَ المشهورينَ كُلَّهم يثبِتونَ الصِّفاتِ للهِ تعالى، ويقولونَ: إنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ ليس بمخلوقٍ، ويقولونَ: إنَّ اللهَ يُرى في الآخرةِ، هذا مذهَبُ الصَّحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ من أهلِ البيتِ وغيرِهم، وهذا مذهَبُ الأئمَّةِ المتبوعينَ؛ مِثلُ مالكِ بنِ أنَسٍ، والثَّوريِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ) (13).
وقال أيضًا: (اعتقادُ الشَّافعيِّ رَضِيَ اللهُ عنه واعتقادُ سَلَفِ الأمَّةِ؛ كمالكٍ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وابنِ المبارَكِ، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ، وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ- هو اعتقادُ المشايخِ المُقتَدى بهم؛ كالفُضيلِ بنِ عِياضٍ، وأبي سُلَيمانَ الدَّارانيِّ، وسَهلِ بنِ عَبدِ اللهِ التُّسْتَريِّ، وغيرِهم؛ فإنَّه ليس بَينَ هؤلاء الأئمَّةِ وأمثالِهم نزاعٌ في أصولِ الدِّينِ، وكذلك أبو حنيفةَ -رحِمَه اللهُ- فإنَّ الاعتقادَ الثَّابتَ عنه في التَّوحيدِ والقدَرِ ونَحوِ ذلك موافِقٌ لاعتقادِ هؤلاء، واعتقادُ هؤلاء هو ما كان عليه الصَّحابةُ والتَّابِعونَ لهم بإحسانٍ، وهو ما نطَق به الكِتابُ والسُّنَّةُ) (14).
وقال الشَّيخُ ابنُ باز: (… وعلى رأسِهم الأئمَّةُ المشهورونَ بَعدَ الصَّحابةِ؛ كالإمامِ مالِكِ بنِ أنسٍ، والإمامِ محمَّدِ بنِ إدريسَ الشَّافِعيِّ، والإمامِ أبي حنيفةَ النُّعمانِ بنِ ثابتٍ، والإمامِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ حَنبَلٍ، والإمامِ الأوزاعيِّ، والإمامِ سُفيانَ الثَّوريِّ، والإمامِ إسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، وغيرِهم من أئمَّةِ العِلمِ والهُدى، الذين ساروا على النَّهجِ القويمِ، في إثباتِ أسماءِ اللهِ وصفاتِه، وتنزيهِ اللهِ عن مُشابهةِ خَلقِه)(15).
وقال الشَّيخُ ابنُ عُثَيمين: (وفي أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أئمَّةُ الدِّينِ الذين أجمع المسلِمونَ على هدايتِهم؛ مِثلُ: الإمامِ أحمدَ، والشَّافِعيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، وسفيانَ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وغيرِهم من الأئمَّةِ المشهورينَ المعروفينَ، كشَيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةِ، وشَيخِ الإسلامِ محمَّدِ بنِ عَبدِ الوهَّابِ)(16).
المحوَرُ الثَّاني: ثناءُ أئمَّةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ على الإمامِ أبي حنيفةَ رحِمَه اللهُ.
سبَق الحديثُ عن أنَّ هناك من السَّلَفِ من تكلَّم في أبي حنيفةَ، فليس هذا بخافٍ، فلا يأتِ متُحَذْلِقٌ ويقولُ: ولكنْ هناك من قال خلافَ ذلك! وسبَق القولُ أيضًا أنَّ هذه المقالةَ ليست لمحاكَمةِ هذا الإمامِ، ولا لوضعِ ميزانِ الجرحِ والتعديلِ؛ فقد كفانا أئمَّةُ عُلَماءِ أهلِ السُّنَّةِ ذلك وطووا هذا الأمر، ومَن لا يريدُ أن يقتديَ بهم ويحذوَ حذْوَهم، واختار بعضَ الأغرارِ من المعاصِرينَ، فقد جنى على نفْسِه.
وهذه جملةٌ من ثناءِ العُلَماءِ المتقَدِّمينَ والمُتأخِّرينَ والمعاصِرينَ على الإمامِ أبي حنيفةَ، فيها غُنيةٌ لمن أراد الحقَّ:
1- سُليمانُ بنُ مِهرانَ الأعمَشُ (ت:148)
سُئِلَ الأعمشُ عن مسألةٍ، فقال: (إنَّما يحسِنُ هذا النُّعمانُ بنُ ثابتٍ الخزَّازُ(17)، وأظنُّه بورِكَ له في عِلمِه)(18).
2- ابنُ جُرَيجٍ (ت:150)
(قال رَوحُ بنُ عُبادةَ: كُنتُ عند ابنِ جُرَيجٍ سنةَ خمسينَ، يعني ومئةً، وأتاه موتُ أبي حنيفةَ، فاسترجع وتوجَّع، وقال: أيُّ عِلمٍ ذَهَب؟!)(19)
3- شُعبةُ بنُ الحَجَّاجِ (ت:160)
قال شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ: (كان شُعبةُ حَسَنَ الرِّأيِ في أبي حنيفةَ، كثيرَ الترَحُّمِ عليه).(20)
4- سُفيانُ الثَّوريُّ (ت:161)
قال: (كان أبو حنيفةَ أفقَهَ أهلِ الأرضِ في زمانِه)(21).
5- عبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ (ت:181)
كان ابنُ المبارَكِ حسَنَ الرَّأيِ في أبي حنيفةَ، ونُقِل عنه ثناءٌ كثيرٌ عليه، ومِن ذلك قولُه: (ما رأيتُ في الفِقهِ مِثلَ أبي حنيفةَ)(22)، وقولُه: (أبو حنيفةَ أفقَهُ النَّاسِ)(23)، وقَولُه: (لولا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أغاثني بأبي حنيفةَ وسفيانَ كنتُ كسائِرِ النَّاسِ)(24)، وقَولُه: (قَدِمتُ الكوفةَ فسألتُ عن أورَعِ أهلِها، فقالوا: أبو حنيفةَ)(25)، وقولُه: (ما رأيتُ أحدًا أورَعَ من أبي حنيفةَ)(26).
6- حَفصُ بنُ غِياثٍ (ت:194)
(كلامُ أبي حنيفةَ في الفِقهِ أدَقُّ من الشَّعرِ، لا يَعيبُه إلَّا جاهِلٌ)(27 ).
7- يحيى بنُ سَعيدٍ القَطَّانُ (ت:198)
(لا نَكذِبُ اللهَ، ما سمِعْنا أحسَنَ مِن رأيِ أبي حنيفةَ، وقد أخَذْنا بأكثَرِ أقوالِه).(28)
(قال الرَّبيعُ: سمِعتُ الشَّافِعيَّ يقولُ: النَّاسُ عِيالٌ على أبي حنيفةَ في الفِقهِ)(30).
وقال: (كان أبو حنيفةَ ممَّن وُفِّق له الفِقهُ)(31).
10- يحيى بنُ مَعِينٍ (ت:233)
(كان أبو حنيفةَ عِندَنا من أهلِ الصِّدقِ، ولم يُتَّهَمْ بالكَذِبِ، ولقد ضرَبَه ابنُ هُبَيرةَ على القضاءِ فأبى أن يكونَ قاضيًا)(32).
11- أبو داودَ السِّجِستانيُّ صاحِبُ السُّنَنِ (ت: 275)
كان يقولُ: (رَحِم اللهُ مالِكًا كان إمامًا، رَحِم اللهُ الشَّافعيَّ كان إمامًا، رَحِم اللهُ أبا حنيفةَ كان إمامًا)(33).
12 – ابنُ عبدِ البَرِّ (ت: 436)
(… ونَقَموا أيضًا على أبي حنيفةَ الإرجاءَ، ومِن أهلِ العِلمِ من يُنسَبُ إلى الإرجاءِ كثيرٌ، لم يُعْنَ أحَدٌ بنَقلِ قبيحِ ما قيل فيه كما عُنُوا بذلك في أبي حنيفةَ لإمامتِه، وكان أيضًا مع هذا يُحسَدُ ويُنسَبُ إليه ما ليس فيه، ويُختَلَقُ عليه ما لا يليقُ به، وقد أثنى عليه جماعةٌ من العُلَماءِ وفضَّلوه)(34)
نقل عن أبي حنيفةَ – مادحًا له – قَولَه: (إذا صحَّ عِندَنا عن النبيِّ شيءٌ لزِمَنا الأخذُ به، فإنْ لم نجِدْ عنه ووجَدْنا عن الصَّحابةِ فكذلك، فإذا جاء قولُ التَّابِعينَ زاحَمْناهم)(35).
14- أحمدُ بنُ عبدِ الحليمِ ابنُ تيميَّةَ (ت:728)
شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ كان من أكثَرِ النَّاسِ إنصافًا للإمامِ أبي حنيفةَ، وله كلامٌ كثيرٌ جِدًّا في الثَّناءِ عليه؛ مِن ذلك:
قَولُه: (من ظنَّ بأبي حنيفةَ أو غيرِه من أئمَّةِ المُسلِمينَ أنَّهم يتعمَّدونَ مخالفةَ الحديثِ الصَّحيـحِ لقياسٍ أو غيرِه، فقد أخطأَ عليهم، وتكلَّم إمَّا بظَنٍّ وإمَّا بهوًى)(36).
وقَولُه: (كما أنَّ أبا حنيفةَ وإن كان النَّاسُ خالفوه في أشياءَ وأنكروها عليه، فلا يستريبُ أحدٌ في فِقهِه وفَهمِه وعِلمِه، وقد نقلوا عنه أشياءَ يَقصِدونَ بها الشَّناعةَ عليه، وهي كَذِبٌ عليه قَطعًا)(37).
(…فنحن مُقَلِّدونَ الكتابَ والسُّنَّةَ، وصالحَ سَلَفِ الأمَّةِ، وما عليه الاعتمادُ من أقوالِ الأئمَّةِ الأربعةِ؛ أبي حنيفةَ النُّعمانِ بنِ ثابتٍ، ومالِكِ بنِ أنسٍ، ومحمَّدِ بنِ إدريسَ، وأحمدَ بنِ حَنبلٍ، رحِمَهم اللهُ تعالى)(42).
17 – حَمَدُ بنُ ناصِرِ بنِ مُعمَّرٍ (ت: 1225)
سُئِل عن اعتقادِ الشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ ومذهَبِه ومذهَبِهم مِن بَعدِه، فأجاب: (مذهَبُنا مذهَبُ السَّلَفِ: إثباتٌ بلا تشبيهٍ، وتَنزيهٌ بلا تعطيلٍ، وهو مذهَبُ أئمَّةِ الإسلامِ؛ كمالكٍ، والشَّافعيِّ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وابنِ المبارَكِ، والإمامِ أحمدَ، وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، وهو اعتقادُ المشايخِ المقتدى بهم… فإنَّه ليس بَينَ هؤلاء الأئمَّةِ نزاعٌ في أصولِ الدِّينِ، وكذلك أبو حنيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فإنَّ الاعتقادَ الثَّابتَ عنه موافِقٌ لاعتقادِ هؤلاء، وهو الذي نطَق به الكِتابُ والسُّنَّةُ) (43).
وقال أيضًا: (وما ظهر فَضلُ الإمامِ أبي حنيفةَ، والإمامِ أحمدَ، ومن قَبْلَهما من الأئمَّةِ، ومَن بَعدَهما، إلَّا بتمَسُّكِهم بالحَقِّ ونُصرتِه، ورَدِّهم الباطِلَ)(44).
قال في مَبحَثِ الأسماءِ والصِّفاتِ: (الذي نعتَقِدُ ونَدينُ اللهَ به هو مَذهَبُ سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها من الصَّحابةِ والتَّابعينَ لهم بإحسانٍ، من الأئمَّةِ الأربعةِ وأصحابِهم رَضِيَ اللهُ عنهم) (45).
وقال في موْضعٍ آخر: (… الأئمَّةُ المقتدى بهم من أهلِ الحَديثِ والفُقَهاءِ، كأبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشَّافعيِّ، وأحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، رضي اللهُ عنهم أجمعينَ)(46).
قال: (فإذا كان هذا عُذرَ أبي حنيفةَ فيما وقع منه مع المخالفةِ للأحاديثِ الصَّحيحةِ -دونَ قَصدٍ- وهو عذرٌ مقبولٌ قطعًا؛ لأنَّ اللهَ لا يكَلِّفُ نفسًا إلَّا وُسعَها، فلا يجوزُ الطَّعنُ فيه كما قد يفعَلُ بعضُ الجَهَلةِ، بل يجِبُ التأدُّبُ معه؛ لأنَّه إمامٌ من أئمَّةِ المسلِمينَ الذين بهم حُفِظَ هذا الدِّينُ، ووصل إلينا ما وصَل من فروعِه، وأنَّه مأجورٌ على كُلِّ حالٍ، أصاب أم أخطأ)(50)
22- ابنُ عُثَيمين (ت:1421)
(وأبو حنيفةَ إمامٌ عالمٌ جليلٌ، إمامٌ من الأئمَّةِ الأربعةِ، وكان رجُلًا قد أعطاه اللهُ عِلمًا وذَكاءً)(51).
فهذه أقوالُ أكثرَ من عِشرينَ عالِمًا عَبرَ العُصورِ، من المالكيَّةِ، والشَّافعيَّةِ، والحنابلةِ، ليس فيهم حنفيٌّ واحد، وكلُّهم من كبارِ أئمَّةِ السَّلَفِ، فأين أنت منهم؟! (فلا تستشعِرْ أنَّ القومَ قارفوا وتنزَّهْتَ، وثَلَموا أديانَهم وتورَّعْتَ!)(52)، وهؤلاء القومُ لا خيرَ فيمن لا يحتذي ويقتدي بهم، وقد يأتي متزبِّبٌ لم يَتحصرَمْ بَعدُ، ويقولُ: أقوالُ السَّلَفِ هذه لم يَثبُتْ منها شيءٌ، أو يقولُ: هناك أقوالٌ أضعافُها في ذمِّ أبي حنيفةَ! فيُقالُ له: هَبْ أنَّ ما قُلتَه صحيحٌ -وليس بصحيحٍ-، فما قولُك في البقيَّةِ الذين سطَّروا هذا في كتُبِهم: (ابنُ عبدالبر، قِوامُ السُّنَّة، ابنُ تيميَّةَ، ابنُ كثيرٍ، الذَّهبيُّ، المِزِّيُّ، ابنُ عبدِ الوهَّابِ، وابنُه عبدُ اللهِ، ابنُ مُعمَّرٍ، إسحاقُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ابنُ بازٍ، الألبانيُّ، ابنُ عُثَيمين) كُلُّ هؤلاء لم يقرؤوا ما قرأتَه، ولم يَفطَنوا لِما فَطِنتَ أنت له، أم أنَّك أغيَرُ على السُّنَّةِ وجَنابِ التَّوحيدِ والمنهَجِ السَّلَفيِّ منهم؟!
المحوَرُ الثَّالِثُ: كَلِمةٌ أخيرةٌ.
عَودًا على بَدءٍ، هذه ليست محاكَمةً للإمامِ أبي حنيفةَ، ومن أنا ومن أنت حتَّى نحاكِمَ إمامًا كأبي حنيفةَ النُّعمانِ، عليه رِضا الرَّحمنِ، لكِنَّها إشارةٌ للكَفِّ عن ذمِّه، وطَيِّ صفحاتِ الماضي، كما جرى على ذلك أئمَّةُ السَّلَفِ، و (لو كان كلُّ من أخطأ أو غَلِط تُرِكَ جملةً وأُهدِرَت محاسِنُه، لفسَدتِ العلومُ والصِّناعاتُ والحِكَمُ، وتعَطَّلت معالِمُها)(53)، و (لو أنَّا كُلَّما أخطأ إمامٌ في اجتهادِه في آحادِ المسائِلِ خطَأً مغفورًا له، قُمْنا عليه وبدَّعْناه وهَجَرْناه؛ لَما سَلِم معنا لا ابنُ نَصرٍ، ولا ابنُ مَنْدَه، ولا من هو أكبَرُ منهما، واللهُ هو هادي الخَلقِ إلى الحَقِّ، وهو أرحَمُ الرَّاحمينَ، فنعوذُ باللهِ من الهوى والفَظاظةِ)(54). فلو أنَّ كُلَّ إمامٍ أخطأ تركْناه، لم يَبْقَ لنا إمامٌ، وكما قيل: العُلَماءُ بحارٌ، وزلَّاتُهم أقذارٌ، والماءُ إذا جاوز القُلَّتينِ لم يحمِلِ الخَبَثَ.
وإنَّ مِن رحمةِ اللهِ بهذه الأمَّةِ أنَّها لا تجتمِعُ على ضلالةٍ، وإنَّ مِن الضَّلالِ أن تتَّفِقَ كَلِمةُ عُلَماءِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ على تزكيةِ شَخصٍ، وهو على ضلالٍ، وهذا من أكبرِ الأدلَّةِ والبراهينِ على أنَّ أبا حنيفةَ كان إمامَ هُدًى، فإذا رأيتَ شخصًا أكثَرتِ الأمَّةُ من الثَّناءِ عليه والمدحِ له عَبرَ قُرونٍ طويلةٍ، فاجزِمْ أنَّه كان على حَقٍّ، ولو أخطأ وقيلَ فيه ما قيلَ، وإنَّ من المحالِ أن يكونَ عالمَ ضلالةٍ وهذا حالُه، وأتباعُه ملؤوا أقاصيَ الدُّنيا، فاللهُ أرحَمُ بهذه الأمَّةِ من أن يكونَ ذلك، وإنَّ مِن حُسنِ الظَّنِّ باللهِ أن يعتَقِدَ المسلِمُ امتناعَ ذلك في قَدَرِ اللهِ، فكيف يتصَوَّرُ المرءُ أن يكونَ عالمَ ضلالةٍ يُثني عليه عُلَماءُ المُسلِمينَ قَرنًا بَعدَ قرنٍ، ويَعُدُّونَه قُدوةً وإمامًا مُتَّبعًا، ويؤلِّفونَ في مناقِبِه وفضائِلِه الكُتُبَ، وتُملأُ كتُبُ التراجِمِ بالثَّناءِ عليه؟! هذا لا يكونُ في أخَسِّ الأمَمِ فضلًا عن خيِر أمَّةٍ أخرِجَت للنَّاسِ!
رَحِم اللهُ أبا حنيفةَ، وغَفَر له، وجزاه عن الإسلامِ والمُسلِمينَ خَيرَ الجزاءِ.
وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصَحبِه وسَلَّم.
—————————
(1 )كان أبو معاويةَ الضَّريرُ -أحَدُ أعلامِ أئمَّةِ القرنِ الثَّاني- يقول: (حُبُّ أبي حَنِيفةَ من السُّنَّة). يُنظر: ((تاريخ الإسلام)) (9/310) و ((سير أعلام النبلاء)) (6/401) كلاهما للذهبي.