الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين
وبعد
فلقد نزل القرآن علي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان أول ما نزل قوله تعالى ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]؛ ولذا كان العلم من أشرف الأعمال التي يتقرب بها المسلم لربه سبحانه قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد: 19].
ولقد أَخبرنا رسولنا علَيه الصلاةُ والسّلام أنَّ العلم النافِع من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت ،فقال: صلى الله عليه وسلم “إذا مات ابن آدَم انقطَعَ عَملُه إلا من ثلاث: صَدقةٍ جارية أو عِلم يُنتَفَع به أو وَلدٍ صالح يدعو له” أخرجه مسلم في صحيحه: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ولقد كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول : “كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه”.([1])
وقال الله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة – الآية 11
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اللهَ يَرفعُ بهذا الكِتابِ أقْواماً ويَضَعُ به آخَرِينَ». [رواه مسلم]
ولقد بين رسولنا صلى الله عليه وسلم أن مجالس العلم روضة من رياض الجنة فقال: {إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ” قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ :”مَجَالِسُ الْعِلْمِ }
وكان السلف رحمهم الله يقولون مجالس العلم أفضل من كثير من العبادات لأن الرسول قال: {طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ } صححه الألباني، في صحيح الجامع
ولقد بين رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه أفضل شيء في الدنيا
فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألَا إن الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلِّم))[ رواه الترمذي].
وكان من علامات الساعة رفع العلم وكثرت الجهل فقال صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا))[ رواه البخاري عن أنس بن مالك].
ولهذا الأمر كان العلماء ورثة الأنبياء فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((إن العلماءَ ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر))[ رواه الترمذي].
رزقنا الله وإياكم العلم النافع والقلب الخاشع
بين يدي السورة
سورة الحجرات سورة مدنية نزلت في العام التاسع الهجري، وعدد آياتها ثماني عشرة آية، نزلت بعد سورة المجادلة، وسُميت بالحجرات نسبةً إلى حجرات أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان للنبي ﷺ تسع حجرات
1- السيدة سودة بنت زمعة
2- السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق
3- السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب
4- السيدة زينب بنت خزيمة
5- السيدة رملة بنت أبي سفيان
6- السيدة هند بنت أمية
7- السيدة زينب بنت جحش
8- السيدة جويرية بنت الحارث
9- السيدة صفية بنت حيي بن أخطب
وكان بناء الحجرات النبوية من الطين واللبن وجريد النخل, وجميع الحجرات كانت في الجهة الشرقية من المسجد النبوي الشريف كما أجمع المؤرخون وأهل السير, وكانت مساحة كل حجرة لا تزيد على أربعة أمتار ونصف المتر طولاً وأربعة أمتار عرضًا, وبارتفاع نحو مترين ونصف المتر تقريبًا.
وقد ظلت الحجرات على بنائها حتى عهد الوليد بن عبد الملك, فأمر والي المدينة سيدنا عمر بن عبد العزيز ، حيث قام بتوسعة المسجد النبوي وضم جميع الحجرات داخل المسجد, والمحافظة على حجرة السيدة عائشة والتي تضم قبر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.([2])
وقد كان ﷺ يسكن قبل بناءه للحجرات في بيت الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، ومن المعلوم أنه ﷺ لم يبنها دفعة واحدة، وانما بدأ ببناء حجرة السيدة سودة بنت زمعة ثم في السنة الثانية من الهجرة بنى حجرة للسيدة عائشة، ثم توالي بناء الحجرات كلما تزوج رسول الله ﷺ بواحدة من أمهات المؤمنين
رسم توضيحي للحجرات الشريفة
وعن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخُراسانيّ-: أن سورة الحجرات مدنيّة، ونَزَلتْ بعد سورة المجادلة. ([3])»
وتتحدث السورة عن جملة من الأخلاق الحسنة والآداب الرفيعة ومنها كيفية التعامل مع الله ورسوله، والأمر بالتثبت في الأخبار، وقتال الفئة الباغية، ووجوب الصلح بين المسلمين والنهي عن السخرية والاستهزاء والتنابز بالألقاب، والنهي عن سوء الظن والتجسس والغيبة، وفضل التقوى والعمل الصالح والتذكير بنعم الله تعالي علي المسلمين, الي غير ذلك من القيم الرفيعة.
الدرس الأول
الاستجابة لله وللرسول ﷺ
الآيات الكريمة من (1) إلى (5)
قال تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) ﴾
معاني مفردات الآيات الكريمة
﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾: لا تتقدموا بقول ولا فعل علي كتاب الله وسنة رسوله
﴿ ولا تجهروا له بالقول ﴾: لا ترفعوا أصواتكم عند مخاطبته – صلى الله عليه وسلم -.
﴿ أن تحبط أعمالكم ﴾: أن تضيع أعمالكم.
﴿ يغضون أصواتهم ﴾: يخفضون أصواتهم.
﴿ امتحن الله قلوبهم ﴾: اختبار وامتحان
﴿ الحجرات ﴾: حجرات زوجات الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
التوجيهات الربانية
تبدأ الآيات بأمر المؤمنين بتنفيذ أوامر الله وأوامر رسوله – صلى الله عليه وسلم – وعدم تركها
ثم أمرهم سبحانه بعدم رفع أصواتهم في حضرته تعظيمًا له، وإجلالا وتوقيرا وألا ينادوه باسمه، مجردا بدون ذكر رسول أو نبي الله , لكي لا تذهب أعمالهم سدي في حالة عدم تأدبهم مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
ومعنى قوله تعالى
{إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} أي إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى ومرَّنها عليها وجعلها صفة راسخةً راسخة فيها قال ابن كثير: أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلاً {الَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي لهم في الآخرة صفحٌ عن ذنوبهم، وثواب عظيم في جنات النعيم.([4]) .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} بقول ولا فعل.
وعن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله.وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه
«أي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمراد: لا تسبقوا الله ورسوله بقولٍ أو بفعل»([5])
سبب نزول الآيات
أسباب نزول الآية (1) : عن عبد الله بن الزبير قال : «قدم ركب من بني تميم على رسول الله ﷺ فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي، وقال عمر : ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما . فنزلت في ذلك الآيات». رواه البخاري .
وعن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر -قال نافع: لا أحفظ اسمه-فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكر رضي الله عنه.([6])
وعن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ، قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار) رواه البزار «(أي كصاحب السر)»([7])
أسباب نزول الآية (2) : قال قتادة : «كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم في حضرته . فأنزل الله ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي …﴾ [الحجرات:2] الآية». أخرجه ابن جرير .
وعن أنس بن مالك قال : «لما نزلت هذه الآية ﴿لا ترفعوا أصواتكم …﴾ [الحجرات:2] الآية، قعد ثابت بن قيس بن شماس في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال : ما يبكيك ؟ قال هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت فيَّ فيحبط عملي وأكون من أهل النار، وأنا رجل صيت رفيع الصوت، فرفع عاصم ذلك إلى رسول الله فدعا به فقال له : أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة ؟ قال: رضيت ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله، فلما كان يوم اليمامة قتل». رواه البخاري ومسلم .
قال ابن كثير: «أن ثابت بن قيس كان رفيع الصوت، فلما نزلت الآية قال: أنا الذي كنتُ أرفع صوتي على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزيناً، فافتقده رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقَّدك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبروه بما قال، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: لا بل هو من أهل الجنة» وفي رواية «أترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيتُ ببشرى الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ»
قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم. فقاتلهم حتى قتل ([8])
3- أسباب نزول الآيتين (4- 5) : عن زيد بن أرقم قال : «جاء ناس من العرب إلى حجر النبي فجعلوا ينادون : يا محمد، يا محمد، اخرج إلينا فمدحنا زين، وذمنا شين، فآذى صوتهم رسول الله فنزلت الآيتان». رواه ابن جرير.
نماذج من السمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ
عن سالم عن أبيه رضي الله عنه, «سمع النبي صلى اله عليه وسلم عمر, وهو يقول : وأبي وأمي, فقال : ( ألا أن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) فقال عمر : فوالله, ما حلفت به بعد ذلك ذاكراً ولا آثرا.» [متفق عليه]
وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله عليه الصلاة والسلام سُكنى ولا نَفقة، قالت: «قال لي رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إذا حلَلتِ فآذِنيني)) فآذنتْه، فخطَبها معاوية، وأبو جهم، وأسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما معاوية فرجل تَرِبٌ، وأما أبو جهم فرجلٌ ضرَّاب للنساء، ولكن أسامة بن زيد))، فقالت بيدها هكذا: أسامةُ أسامة، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((طاعة الله وطاعة رسوله خيرٌ لك))، قالتْ: فتزوَّجتُهُ، فاغتَطَبْتُ به» ؛ [أخرجه مسلم.
ومن نماذج سرعة المبادرة إلى امتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام:
ومن تلك المواقف: جلوس ابن مسعود رضي الله عنه عند باب المسجد عندما سمع الرسول يقول: ((اجلسوا)): عن جابر رضي الله عنه قال: لَمَّا استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: «(اجلِسوا)، فسمِع ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((تعالَ يا عبدالله بن مسعود))» ؛ [أخرجه أبو داود].
وجلوس ابن رواحة رضي الله عنه في الطريق عندما سمع الرسول يقول: ((اجلسوا)): وعن أيوب قال: «بلَغني أن ابن رواحة رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالطريق يقول: ((اجلسوا))، فجلس في الطريق، فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما شأنُك؟ قال: سمعتُك تقول: ((اجلِسوا))، فجلستُ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((زادَك الله طاعةً))» ؛ [أخرجه عبدالرزاق في المصنف .
ومنها قصة جليبيب رضي الله عنه
كانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيِّم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي فيها حاجة أم لا، فقال النبي لرجلٍ من الأنصار: «زوجني ابنتك». قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين. فقال: «إني لست أريدها لنفسي». قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: «لجليبيب». فقال: يا رسول الله، أشاور أمها. فأتى أمها فقال: رسول الله يخطب ابنتك. فقالت: نعم ونعمة عين. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه؟ (تعجب واستنكار)، ألا لعمر الله لا نزوجه.
فلما أراد أن يقوم ليأتي الرسول محمد فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، قالت: أتردون على رسول الله أمره؟ ادفعوني إليه؛ فإنه لن يضيعني. فانطلق أبوها إلى رسول الله فقال: شأنك بها، فزوجها جليبيباً.
فدعا لها الرسول محمد: «اللهم اصبب عليها الخير صبّاً، ولا تجعل عيشها كدّاً». ثم قتل عنها جليبيب، فلم يكن في الأنصار أيمٌ أنفق منها
دروس مستفادة من الآيات
احترام كل ما جاء من عند الله – سبحانه وتعالى – وما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – والعمل به، وعدم الحكم بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.
احترام الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتعظيمه وتوقيره وذلك باحترام سنته وما جاء به من عند الله، والاقتداء به والصلاة والسلام عليه عند سماع اسمه، وفي كل وقت.
أن نذكر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه والعلماء الأجلاَّء بألقابهم الشريفة، ولا نتجرَّأ عليهم بذكر أسمائهم، ولا نذكرهم في مجالس اللهو أو المزاح؛ احترامًا لهم وتقديرًا لمكانتهم[9]).)
فائدة
قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته؛ لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه([10])
الدرس الثاني
التثبت في الأخبار
الآيات الكريمة من (6) إلى (8)
﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8)﴾
﴿ لعنتم ﴾: لوقعتم في الحرج والإثم « لوقعتم في العَنَت، قال ابن الأثير: العنت: المشقة، والفساد، والهلاك»([11])
﴿ وزينة في قلوبكم ﴾: وحسنه في قلوبكم.
﴿ الفسوق ﴾: الخروج عن طاعة الله.
﴿ العصيان ﴾: جميع المعاصي.
﴿ الراشدون ﴾: الثابتون على دينهم والمهتدون.
﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾: عطاء من الله وكرم.
التوجيهات الربانية
يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالتثبت في نقل الأخبار وعدم التسرع فيها حتي لا يحدث فساد وهلاك بسبب هذا التسرع ونصبح بعد ذلك نادمين لأننا كنا سببا في فساد وقع , وكذلك الأمر بعدم نشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة , حتى لا تحدث فتنة في المجتمع
يقول الإمام السعدي
«بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود»([12])
«واعلموا – أيها المؤمنون – أن فيكم السيّد المبجّل، والنبيّ المعظّم (رسول الله صلى الله عليه وسلم َ) المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، الذي يطلعه الله على الخفايا، فلا تحاولوا أن تستميلوه لرأيكم، ولو أنه استجاب لكم، وأطاعكم في غالب ما تشيرون به عليه، لوقعتم في الجهد والهلاك، ولكنّ الله – بمنّة وفضله – حفظه وحفظكم، ونوّر بصائر أتباعه المؤمنين، وحبّب إليهم الإيمان، وبغّض إليهم الكفّر والفسوق والعصيان، وأرشدهم إلى سبيل الخير والسعادة»([13])
سبب نزول الآيات
«عن ثابت موْلى أمّ سلمة، عن أمّ سلمة، قالت: ” بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال: فبلغ القوم رجوعه قال: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا , له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدّقا، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال، وأذّن بصلاة العصر; قال: ونزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)»([14])
قال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال: إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك -زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام-فبعث رسول الله خالد بن الوليد إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل. فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنزل الله هذه الآية. قال قتادة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “التبين من الله، والعجلة من الشيطان”.([15])
يقول ابن الجوزي
«نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى بني المصطلق ليِقَبْضِ صدقاتهم، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهليّة، فلما سمع به القوم تلقّوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه رجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: إنّ بني المصطلق قد منعوا الصدقة وأرادوا قتلي، فصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم البَعْثَ إِليهم، فنزلت هذه الآية»([16])
يقول وهبة الزحيلي
«تناقل الأخبار آفة المجتمعات، فقد يكون بعضها إشاعة، أو كذبا، وقد يكون هناك كثير من المبالغة في الخبر وتضخيمه، وغالبا ما يكون نقل الخبر بحاجة ماسة إلى الدقة في النقل، وضبط اللفظ، وفهم المراد، وتأويل المسموع، لذا كان لا بد من الكتابة أو التدوين أو التسجيل ليكون الخبر صحيحا أو مطابقا للواقع، وقد يكون الخبر كله ملفقا أو موضوعا لدوافع سياسية أو مناصرة اتجاه معين أو لبذر بذور الفرقة، وتأجيج نار الخلاف بين الناس، الأقارب أو الأباعد، لذا أوجب القرآن التثبت من الأخبار، تحقيقا للمصلحة العامة أو الخاصة، ومنعا من إيقاع الفتنة، وزرع الفرقة، فقال الله تعالى»([17])
«- قال مقاتل بن سليمان: {ولكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ} يعني: التصديق، {وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} للثواب الذي وعدكم، {وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ} يعني: الإثم، {والعِصْيانَ} يعني: بغَّضَ إليكم المعاصي للعقاب الذي وعد أهله، {أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ} يعني: المهتدين، {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً} يقول: الإيمان الذي حبّبه إليكم فضلًا من الله ونعمة، يعني: ورحمة، {واللَّهُ عَلِيمٌ} بخلْقه، {حَكِيمٌ} في أمره. (ز[18])»
ما ترشد إليه الآيات
التثبت في الأخبار؛ حتى لا يؤدي عدم التثبت إلى نتائج سيئة وآثار ضارة بالأفراد والمجتمعات.
يجب أن نصدق المؤمنين الموثوق بهم فيما ينقلون إلينا من أخبار وأقوال ما دُمنا لم نجرِّب عليهم كذبًا قبل ذلك.([19])
الدرس الثالث
الأخوة الإسلامية
الآيات الكريمات 9_ 10
قال تعالى
﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)﴾
التوجيهات الربانية
يأمرنا الله تعالى بالإصلاح بين المسلمين والحكم بالعدل والقسط , وإن حدث من مسلم تجاوز وطغيان فلابد أن نقف مع المظلوم ضد الظالم والمعتدى حتى يرجع ويكف عن ظلمه لما فيه مصلحة للمجتمع , وكذلك يبن الله ﷻ أن المسلم أخو المسلم لا يظلمه أبدا ويكون بجواره عند الحاجة , وأن نتقي الله تعالى لكي تنزل علينا الرحمات
عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا”. ورواه النسائي
يقول الإمام الصابوني
إذا رأيتم أيها المؤمنون طائفتين من إخوانكم جنحتا إلى القتال والعدوان، فابذلوا جهدكم للتوفيق بينهما، وادعوهما إلى النزول على حكم الله، فإن اعتدت إحدى الطائفتين على الأخرى وتجاوزت حدّها بالظلم والطغيان، وأرادت أن تبغي في الأرض، فقاتلوا تلك الطائفة الباغية، حتى تثوب إلى رشدها، وترضى بحكم الله عز وجل ّ، وتقلع عن البغي والعدوان، فإذا كفّت عن العدوان فأصلحوا بينهما بالعدل، لأنهم إخوتكم في الدين، ومن واجب المسلمين أن يَصْلحوا بين الإخوان، لا أن يتركوا البغضاء تدبّ، والفرقة تعمل عملها، لأنّ المؤمنين جميعاً إخوة، جمعتهم (رابطة الإيمان) وليس ثمة طريق إلى إعادة الصفاء إلاّ بالإصلاح بين المتخاصمين، فهو سبيل الفلاح وطريق الفوز والنجاح، واتقوا الله لتنالكم رحمته، وتسعدوا بمرضاته ولقائه([20])
معاني الكلمات
﴿ طائفتان ﴾: فئتان وجماعتان.
﴿ بَغَتْ ﴾: تجاوزت حدها.
﴿ التي تبغي ﴾: الفئة الباغية.
«تبغي: لا ترضى بصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم»([21])
﴿ حتى تفيء إلى أمر الله ﴾: حتى ترجع إلى حكم الله
﴿ وأقسطوا ﴾: واعدلوا
﴿ المقسطين ﴾: الحاكمين بالعدل.
أسباب نزول الآية
عن أنس قال : «قلت يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي ﷺ، فركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي قال : إليك عني، فو الله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار : لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، وكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات:9].». رواه البخاري ومسلم .
وقال تعالى: (وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ)[الرحمن: 9].
وقال سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ )[النحل: 90].
وقال صلى الله عليه وسلم: ((اتقُوا الظُّلْمَ؛ فإن الظلم ظلُمات يوم القيامة))[رواه مسلم].
الدرس الرابع
من صفات المسلم الحميدة
الآيات 11 -12-13
قال تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11)يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) ﴾
التوجيهات الربانية
أمرنا الله تعالى بعدم السخرية والاستهزاء من الناس فمن الممكن أن يكون الشخص الذي سخر منه أفضل عند الله ﷻ ، وكذلك أمرنا الله تعالى بعدم التنابز بالألقاب وتسمية بعضنا بعضا بأسماء قبيحة , وكذلك أمرنا سبحانه بأن نحسن الظن وعدم التعامل مع الناس بالشك والاتهامات الباطلة.
وكذلك أمرنا الله تعالى بعدم التجسس وتتبع العورات ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا” .
يقول بن كثير
يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا([22])
معاني الكلمات
﴿ لا يسخر ﴾: من السخرية والاستهزاء .
﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾: ولا يعب بعضكم بعضًا ولا يطعن فيه.
واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل
﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾: ولا يدعُ بعضكم بعضًا بلقب يكرهه.
﴿ بئس الاسم الفسوق ﴾: الذي يفعل هذا يسمى الفاسق.
﴿ إن بعض الظن إثم ﴾: إنَّ بعض الظن ذنب يستحق صاحبه العقوبة عليه.
﴿ ولا تجسسوا ﴾: ولا تتبعوا عورات المسلمين ولا تبحثوا عن عيوبهم.
﴿ ولا يغتب بعضكم بعضًا ﴾: ولا يذكر أحدكم أخاه بما يكرهه، وإن كان فيه ما يذكره به.
﴿ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ ﴾ آدم وحواء عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم بنو آدم. وآدم خلق من تراب
كما قال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء. والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم. والتدابر: الصرم. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا} فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: “ذكرك أخاك بما يكره”. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته”. ورواه الترمذي([23])
يقول الامام الطبري
«يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) يقول: المهزوء منهم خير من الهازئين (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات، عسى المهزوء منهنّ أن يكنّ خيرا من الهازئات»([24])
يقول السعدي
أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب»([25])
حرمة المسلم
عن عبد الله بن عمر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: “ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خير. رواه ابن ماجه .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا”.رواه البخاري
وعن أنس [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام”. رواه مسلم والترمذي –
حرمة الغيبة
جاء في الآيات التحريم الشديد، في الغيبة والنهي عنها
يقول ابن كثير
ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} ؟ أي: كما تكرهون هذا طبعا، فاكرهوا ذاك شرعا؛ فإن عقوبته أشد من هذا وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، كما قال، عليه السلام، في العائد في هبته: “كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه”([26])
ولقد حرم الإسلام الأموال والأعراض فقال رسول الله ﷺ
“إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا”.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم”.
ورواه الترمذي
أسباب نزول الآية (11) :
عن أبي جبير بن الضحاك قال : «نزلت فينا بني سلمة . قدم النبي المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله ﷺ، إنه يكرهه ويغضب منه فنزلت ﴿ولا تنابزوا بالألقاب …﴾ [الحجرات:11].». رواه أحمد وأصحاب السنن .
أسباب نزول الآية (13) :
«لما كان يوم الفتح رقى بلال على ظهر الكعبة فأذن فقال بعض الناس : أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة ؟ فقال بعضهم : إن يرد الله شيئا يغيره، فأنزل الله الآية». رواه ابن أبي حاتم وابن المنذر .
ولقد نهى الإسلام عن العصبيات القبلية
فقال الله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً…] (سورة النساء)
فالناس جميعهم متساوون، عربهم وعجمهم، وجاء التفضيل بالتقوى والعمل الصالح
وعن أبي هريره رضي الله عنه قال : قال الرسول صلى الله عليه وسلم ُ : (إنَّ اللهَ قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليةِ وفخرَها بالآباءِ، مؤمنٌ تقيٌّ، وفاجرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدمَ، وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوامٍ، إنما هم فحمٌ من فحْمِ جهنمَ، أو لَيكونُنَّ أهونَ على اللهِ من الجِعْلَانِ التي تدفعُ بأنفْها النَّتِنَ) رواه أبو داوود وهو في صحيح الجامع.
الدرس الخامس
نعمة الإيمان
الآيات الكريمات من 14 إلى 18
﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (18)﴾
معاني مفردات الآيات الكريمة
﴿ الأعراب ﴾: قوم يسكنون البوادي والصحراء.
﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾: عندما يدخل الإيمان إلى قلوبكم.
﴿ لا يلتكم ﴾: لا ينقصكم.
﴿ لم يرتابوا ﴾: لم يشكوا في إيمانهم
﴿ أتُعلِّمون الله بدينكم ﴾: أتخبرونه – سبحانه وتعالى – بقولكم: (آمنا)؟! (والاستفهام للتوبيخ والإنكار عليهم فالله تعالى يعلم حالهم
﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾: يزكون ويتفضلون عليك يا محمد بإسلامهم
﴿ بل الله يمنُّ عليكم ﴾: فالله هو صاحب الفضل عليكم الذي يمن .
﴿ غيب السموات والأرض ﴾: ما غاب فيهما ولم تصل إليه العقول والإدراك
التوجيهات الربانية
بين الله تعالى أنه صاحب الكرم والجود على الإنسان فالله تعالى هو الهادي إلي الطريق المستقيم
ولا يجوز لأحد أن يمن علي الله تعالى ويتكبر بعبادة وطاعة فالله تعالى فهو المنان الكريم
وعندما فعل ذلك مجموعة من الأعراب أنكر الله تعالى عليهم، وبين سبحانه أنه يعلم ما في الصدور ومطلع عليه ، وأن درجات الإيمان أعلي من درجات الإسلام فالإسلام ظاهر والإيمان باطن خفي لا يعلمه إلا الله
ووصف الله تعالى حال الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ويشكوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون
ثم قال تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} أي لا ينقصكم من أجوركم شيئا {إن الله غفور رحيم} أي لمن تاب وأناب
يقول الصابوني رحمه الله
«أي زعم الأعراب أنهم آمنوا قل لهم يا محمد: إنكم لم تؤمنوا بعد، لأن الإِيمان تصديقٌ مع ثقة واطمئنان قلب، ولم يحصل لكم، وإِلا لما مننتم على الرسول بالإِسلام وترك المقاتلة، ولكنْ قولوا استسلمنا خوف القتل والسبي»([27])
سبب نزول الآيات
الآية (17) : عن ابن عباس قال : «قدم عشرة من بني أسد على رسول الله سنة سبع وفيهم طلحة بن خويلد، وكان رسول الله في المسجد مع أصحابه فسلموا وقال متكلمهم : يا رسول الله، إنا شهدنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثا، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، ونحن لمن وراءنا سلم، فأنزل الله الآية». رواه البزار والطبراني .
قال ابن كثير
قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة، وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح الأول أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يحصل لهم بعد فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، وإنما قيل لهؤلاء تأديبا: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} أي لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد.([28])
مراتب الدين
المرتبة الأولى: الإسلام
والإسلام: هو الانقياد والتسليم لله ﷻ، والخضوع له بفعل أوامره، وترك نواهيه، قال تعالى ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾[آل عمران:19]
وقوله تعالى: (ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/3، وقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) آل عمران/85
المرتبة الثانية: الإيمان
وهو قول باللسان، وتصديق بالجنان (القلب)، وعمل بالأركان (الجوارح)، قال الإمام أحمد بن حنبل: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
وقال الإمام الشافعي -كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة-: وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان: قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر.
قال صلى الله عليه وسلم: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون أخرجه مسلم
الإحسان لغة : هو فعل ما هو حسن، مع الإجادة في الصنع. وشرعا : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك.
ومقام المحسنين هو مقام الإخلاص [والمراقبة]
ففي الحديث : ” فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك”
قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٩٠﴾ سورة النحل.
ويكون الإحسان في كل شيء
مع الزوجة والولد والجيران ومع المسلم وغير المسلم وحتى مع الدواب والحجر والشجر فعن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته[اخرجه مسلم،].
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين
وبعد
فلقد نزل القرآن علي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان أول ما نزل قوله تعالى ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]؛ ولذا كان العلم من أشرف الأعمال التي يتقرب بها المسلم لربه سبحانه قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد: 19].
ولقد أَخبرنا رسولنا علَيه الصلاةُ والسّلام أنَّ العلم النافِع من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت ،فقال: صلى الله عليه وسلم “إذا مات ابن آدَم انقطَعَ عَملُه إلا من ثلاث: صَدقةٍ جارية أو عِلم يُنتَفَع به أو وَلدٍ صالح يدعو له” أخرجه مسلم في صحيحه: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ولقد كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول : “كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه”.([1])
وقال الله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة – الآية 11
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اللهَ يَرفعُ بهذا الكِتابِ أقْواماً ويَضَعُ به آخَرِينَ». [رواه مسلم]
ولقد بين رسولنا صلى الله عليه وسلم أن مجالس العلم روضة من رياض الجنة فقال: {إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ” قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ :”مَجَالِسُ الْعِلْمِ }
وكان السلف رحمهم الله يقولون مجالس العلم أفضل من كثير من العبادات لأن الرسول قال: {طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ } صححه الألباني، في صحيح الجامع
ولقد بين رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه أفضل شيء في الدنيا
فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألَا إن الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلِّم))[ رواه الترمذي].
وكان من علامات الساعة رفع العلم وكثرت الجهل فقال صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا))[ رواه البخاري عن أنس بن مالك].
ولهذا الأمر كان العلماء ورثة الأنبياء فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((إن العلماءَ ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر))[ رواه الترمذي].
رزقنا الله وإياكم العلم النافع والقلب الخاشع
أكاديمية ترتيل قرآن وسنة
سورة الحجرات توجيهات ربانية
بين يدي السورة
سورة الحجرات سورة مدنية نزلت في العام التاسع الهجري، وعدد آياتها ثماني عشرة آية، نزلت بعد سورة المجادلة، وسُميت بالحجرات نسبةً إلى حجرات أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان للنبي ﷺ تسع حجرات
1- السيدة سودة بنت زمعة
2- السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق
3- السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب
4- السيدة زينب بنت خزيمة
5- السيدة رملة بنت أبي سفيان
6- السيدة هند بنت أمية
7- السيدة زينب بنت جحش
8- السيدة جويرية بنت الحارث
9- السيدة صفية بنت حيي بن أخطب
وكان بناء الحجرات النبوية من الطين واللبن وجريد النخل, وجميع الحجرات كانت في الجهة الشرقية من المسجد النبوي الشريف كما أجمع المؤرخون وأهل السير, وكانت مساحة كل حجرة لا تزيد على أربعة أمتار ونصف المتر طولاً وأربعة أمتار عرضًا, وبارتفاع نحو مترين ونصف المتر تقريبًا.
وقد ظلت الحجرات على بنائها حتى عهد الوليد بن عبد الملك, فأمر والي المدينة سيدنا عمر بن عبد العزيز ، حيث قام بتوسعة المسجد النبوي وضم جميع الحجرات داخل المسجد, والمحافظة على حجرة السيدة عائشة والتي تضم قبر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.([2])
وقد كان ﷺ يسكن قبل بناءه للحجرات في بيت الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، ومن المعلوم أنه ﷺ لم يبنها دفعة واحدة، وانما بدأ ببناء حجرة السيدة سودة بنت زمعة ثم في السنة الثانية من الهجرة بنى حجرة للسيدة عائشة، ثم توالي بناء الحجرات كلما تزوج رسول الله ﷺ بواحدة من أمهات المؤمنين
رسم توضيحي للحجرات الشريفة
وعن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخُراسانيّ-: أن سورة الحجرات مدنيّة، ونَزَلتْ بعد سورة المجادلة. ([3])»
وتتحدث السورة عن جملة من الأخلاق الحسنة والآداب الرفيعة ومنها كيفية التعامل مع الله ورسوله، والأمر بالتثبت في الأخبار، وقتال الفئة الباغية، ووجوب الصلح بين المسلمين والنهي عن السخرية والاستهزاء والتنابز بالألقاب، والنهي عن سوء الظن والتجسس والغيبة، وفضل التقوى والعمل الصالح والتذكير بنعم الله تعالي علي المسلمين, الي غير ذلك من القيم الرفيعة.
الدرس الأول
الاستجابة لله وللرسول ﷺ
الآيات الكريمة من (1) إلى (5)
قال تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) ﴾
معاني مفردات الآيات الكريمة
﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾: لا تتقدموا بقول ولا فعل علي كتاب الله وسنة رسوله
﴿ ولا تجهروا له بالقول ﴾: لا ترفعوا أصواتكم عند مخاطبته – صلى الله عليه وسلم -.
﴿ أن تحبط أعمالكم ﴾: أن تضيع أعمالكم.
﴿ يغضون أصواتهم ﴾: يخفضون أصواتهم.
﴿ امتحن الله قلوبهم ﴾: اختبار وامتحان
﴿ الحجرات ﴾: حجرات زوجات الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
التوجيهات الربانية
تبدأ الآيات بأمر المؤمنين بتنفيذ أوامر الله وأوامر رسوله – صلى الله عليه وسلم – وعدم تركها
ثم أمرهم سبحانه بعدم رفع أصواتهم في حضرته تعظيمًا له، وإجلالا وتوقيرا وألا ينادوه باسمه، مجردا بدون ذكر رسول أو نبي الله , لكي لا تذهب أعمالهم سدي في حالة عدم تأدبهم مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
ومعنى قوله تعالى
{إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} أي إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى ومرَّنها عليها وجعلها صفة راسخةً راسخة فيها قال ابن كثير: أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلاً {الَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي لهم في الآخرة صفحٌ عن ذنوبهم، وثواب عظيم في جنات النعيم.([4]) .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} بقول ولا فعل.
وعن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله.وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه
«أي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمراد: لا تسبقوا الله ورسوله بقولٍ أو بفعل»([5])
سبب نزول الآيات
أسباب نزول الآية (1) : عن عبد الله بن الزبير قال : «قدم ركب من بني تميم على رسول الله ﷺ فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي، وقال عمر : ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما . فنزلت في ذلك الآيات». رواه البخاري .
وعن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر -قال نافع: لا أحفظ اسمه-فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} الآية، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه: يعني أبا بكر رضي الله عنه.([6])
وعن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ، قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار) رواه البزار «(أي كصاحب السر)»([7])
أسباب نزول الآية (2) : قال قتادة : «كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم في حضرته . فأنزل الله ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي …﴾ [الحجرات:2] الآية». أخرجه ابن جرير .
وعن أنس بن مالك قال : «لما نزلت هذه الآية ﴿لا ترفعوا أصواتكم …﴾ [الحجرات:2] الآية، قعد ثابت بن قيس بن شماس في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال : ما يبكيك ؟ قال هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت فيَّ فيحبط عملي وأكون من أهل النار، وأنا رجل صيت رفيع الصوت، فرفع عاصم ذلك إلى رسول الله فدعا به فقال له : أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة ؟ قال: رضيت ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله، فلما كان يوم اليمامة قتل». رواه البخاري ومسلم .
قال ابن كثير: «أن ثابت بن قيس كان رفيع الصوت، فلما نزلت الآية قال: أنا الذي كنتُ أرفع صوتي على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزيناً، فافتقده رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقَّدك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأخبروه بما قال، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: لا بل هو من أهل الجنة» وفي رواية «أترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيتُ ببشرى الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ»
قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم. فقاتلهم حتى قتل ([8])
3- أسباب نزول الآيتين (4- 5) : عن زيد بن أرقم قال : «جاء ناس من العرب إلى حجر النبي فجعلوا ينادون : يا محمد، يا محمد، اخرج إلينا فمدحنا زين، وذمنا شين، فآذى صوتهم رسول الله فنزلت الآيتان». رواه ابن جرير.
نماذج من السمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ
عن سالم عن أبيه رضي الله عنه, «سمع النبي صلى اله عليه وسلم عمر, وهو يقول : وأبي وأمي, فقال : ( ألا أن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) فقال عمر : فوالله, ما حلفت به بعد ذلك ذاكراً ولا آثرا.» [متفق عليه]
وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله عليه الصلاة والسلام سُكنى ولا نَفقة، قالت: «قال لي رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إذا حلَلتِ فآذِنيني)) فآذنتْه، فخطَبها معاوية، وأبو جهم، وأسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما معاوية فرجل تَرِبٌ، وأما أبو جهم فرجلٌ ضرَّاب للنساء، ولكن أسامة بن زيد))، فقالت بيدها هكذا: أسامةُ أسامة، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((طاعة الله وطاعة رسوله خيرٌ لك))، قالتْ: فتزوَّجتُهُ، فاغتَطَبْتُ به» ؛ [أخرجه مسلم.
ومن نماذج سرعة المبادرة إلى امتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام:
ومن تلك المواقف: جلوس ابن مسعود رضي الله عنه عند باب المسجد عندما سمع الرسول يقول: ((اجلسوا)): عن جابر رضي الله عنه قال: لَمَّا استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: «(اجلِسوا)، فسمِع ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((تعالَ يا عبدالله بن مسعود))» ؛ [أخرجه أبو داود].
وجلوس ابن رواحة رضي الله عنه في الطريق عندما سمع الرسول يقول: ((اجلسوا)): وعن أيوب قال: «بلَغني أن ابن رواحة رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالطريق يقول: ((اجلسوا))، فجلس في الطريق، فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما شأنُك؟ قال: سمعتُك تقول: ((اجلِسوا))، فجلستُ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((زادَك الله طاعةً))» ؛ [أخرجه عبدالرزاق في المصنف .
ومنها قصة جليبيب رضي الله عنه
كانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيِّم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي فيها حاجة أم لا، فقال النبي لرجلٍ من الأنصار: «زوجني ابنتك». قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين. فقال: «إني لست أريدها لنفسي». قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: «لجليبيب». فقال: يا رسول الله، أشاور أمها. فأتى أمها فقال: رسول الله يخطب ابنتك. فقالت: نعم ونعمة عين. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه؟ (تعجب واستنكار)، ألا لعمر الله لا نزوجه.
فلما أراد أن يقوم ليأتي الرسول محمد فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، قالت: أتردون على رسول الله أمره؟ ادفعوني إليه؛ فإنه لن يضيعني. فانطلق أبوها إلى رسول الله فقال: شأنك بها، فزوجها جليبيباً.
فدعا لها الرسول محمد: «اللهم اصبب عليها الخير صبّاً، ولا تجعل عيشها كدّاً». ثم قتل عنها جليبيب، فلم يكن في الأنصار أيمٌ أنفق منها
دروس مستفادة من الآيات
احترام كل ما جاء من عند الله – سبحانه وتعالى – وما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – والعمل به، وعدم الحكم بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.
احترام الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتعظيمه وتوقيره وذلك باحترام سنته وما جاء به من عند الله، والاقتداء به والصلاة والسلام عليه عند سماع اسمه، وفي كل وقت.
أن نذكر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه والعلماء الأجلاَّء بألقابهم الشريفة، ولا نتجرَّأ عليهم بذكر أسمائهم، ولا نذكرهم في مجالس اللهو أو المزاح؛ احترامًا لهم وتقديرًا لمكانتهم[9]).)
فائدة
قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته؛ لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه([10])
الدرس الثاني
التثبت في الأخبار
الآيات الكريمة من (6) إلى (8)
﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8)﴾
﴿ لعنتم ﴾: لوقعتم في الحرج والإثم « لوقعتم في العَنَت، قال ابن الأثير: العنت: المشقة، والفساد، والهلاك»([11])
﴿ وزينة في قلوبكم ﴾: وحسنه في قلوبكم.
﴿ الفسوق ﴾: الخروج عن طاعة الله.
﴿ العصيان ﴾: جميع المعاصي.
﴿ الراشدون ﴾: الثابتون على دينهم والمهتدون.
﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾: عطاء من الله وكرم.
التوجيهات الربانية
يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالتثبت في نقل الأخبار وعدم التسرع فيها حتي لا يحدث فساد وهلاك بسبب هذا التسرع ونصبح بعد ذلك نادمين لأننا كنا سببا في فساد وقع , وكذلك الأمر بعدم نشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة , حتى لا تحدث فتنة في المجتمع
يقول الإمام السعدي
«بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود»([12])
«واعلموا – أيها المؤمنون – أن فيكم السيّد المبجّل، والنبيّ المعظّم (رسول الله صلى الله عليه وسلم َ) المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، الذي يطلعه الله على الخفايا، فلا تحاولوا أن تستميلوه لرأيكم، ولو أنه استجاب لكم، وأطاعكم في غالب ما تشيرون به عليه، لوقعتم في الجهد والهلاك، ولكنّ الله – بمنّة وفضله – حفظه وحفظكم، ونوّر بصائر أتباعه المؤمنين، وحبّب إليهم الإيمان، وبغّض إليهم الكفّر والفسوق والعصيان، وأرشدهم إلى سبيل الخير والسعادة»([13])
سبب نزول الآيات
«عن ثابت موْلى أمّ سلمة، عن أمّ سلمة، قالت: ” بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال: فبلغ القوم رجوعه قال: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا , له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدّقا، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال، وأذّن بصلاة العصر; قال: ونزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)»([14])
قال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال: إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك -زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام-فبعث رسول الله خالد بن الوليد إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل. فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنزل الله هذه الآية. قال قتادة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “التبين من الله، والعجلة من الشيطان”.([15])
يقول ابن الجوزي
«نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى بني المصطلق ليِقَبْضِ صدقاتهم، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهليّة، فلما سمع به القوم تلقّوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه رجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: إنّ بني المصطلق قد منعوا الصدقة وأرادوا قتلي، فصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم البَعْثَ إِليهم، فنزلت هذه الآية»([16])
يقول وهبة الزحيلي
«تناقل الأخبار آفة المجتمعات، فقد يكون بعضها إشاعة، أو كذبا، وقد يكون هناك كثير من المبالغة في الخبر وتضخيمه، وغالبا ما يكون نقل الخبر بحاجة ماسة إلى الدقة في النقل، وضبط اللفظ، وفهم المراد، وتأويل المسموع، لذا كان لا بد من الكتابة أو التدوين أو التسجيل ليكون الخبر صحيحا أو مطابقا للواقع، وقد يكون الخبر كله ملفقا أو موضوعا لدوافع سياسية أو مناصرة اتجاه معين أو لبذر بذور الفرقة، وتأجيج نار الخلاف بين الناس، الأقارب أو الأباعد، لذا أوجب القرآن التثبت من الأخبار، تحقيقا للمصلحة العامة أو الخاصة، ومنعا من إيقاع الفتنة، وزرع الفرقة، فقال الله تعالى»([17])
«- قال مقاتل بن سليمان: {ولكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ} يعني: التصديق، {وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} للثواب الذي وعدكم، {وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ} يعني: الإثم، {والعِصْيانَ} يعني: بغَّضَ إليكم المعاصي للعقاب الذي وعد أهله، {أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ} يعني: المهتدين، {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً} يقول: الإيمان الذي حبّبه إليكم فضلًا من الله ونعمة، يعني: ورحمة، {واللَّهُ عَلِيمٌ} بخلْقه، {حَكِيمٌ} في أمره. (ز[18])»
ما ترشد إليه الآيات
التثبت في الأخبار؛ حتى لا يؤدي عدم التثبت إلى نتائج سيئة وآثار ضارة بالأفراد والمجتمعات.
يجب أن نصدق المؤمنين الموثوق بهم فيما ينقلون إلينا من أخبار وأقوال ما دُمنا لم نجرِّب عليهم كذبًا قبل ذلك.([19])
الدرس الثالث
الأخوة الإسلامية
الآيات الكريمات 9_ 10
قال تعالى
﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)﴾
التوجيهات الربانية
يأمرنا الله تعالى بالإصلاح بين المسلمين والحكم بالعدل والقسط , وإن حدث من مسلم تجاوز وطغيان فلابد أن نقف مع المظلوم ضد الظالم والمعتدى حتى يرجع ويكف عن ظلمه لما فيه مصلحة للمجتمع , وكذلك يبن الله ﷻ أن المسلم أخو المسلم لا يظلمه أبدا ويكون بجواره عند الحاجة , وأن نتقي الله تعالى لكي تنزل علينا الرحمات
عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا”. ورواه النسائي
يقول الإمام الصابوني
إذا رأيتم أيها المؤمنون طائفتين من إخوانكم جنحتا إلى القتال والعدوان، فابذلوا جهدكم للتوفيق بينهما، وادعوهما إلى النزول على حكم الله، فإن اعتدت إحدى الطائفتين على الأخرى وتجاوزت حدّها بالظلم والطغيان، وأرادت أن تبغي في الأرض، فقاتلوا تلك الطائفة الباغية، حتى تثوب إلى رشدها، وترضى بحكم الله عز وجل ّ، وتقلع عن البغي والعدوان، فإذا كفّت عن العدوان فأصلحوا بينهما بالعدل، لأنهم إخوتكم في الدين، ومن واجب المسلمين أن يَصْلحوا بين الإخوان، لا أن يتركوا البغضاء تدبّ، والفرقة تعمل عملها، لأنّ المؤمنين جميعاً إخوة، جمعتهم (رابطة الإيمان) وليس ثمة طريق إلى إعادة الصفاء إلاّ بالإصلاح بين المتخاصمين، فهو سبيل الفلاح وطريق الفوز والنجاح، واتقوا الله لتنالكم رحمته، وتسعدوا بمرضاته ولقائه([20])
معاني الكلمات
﴿ طائفتان ﴾: فئتان وجماعتان.
﴿ بَغَتْ ﴾: تجاوزت حدها.
﴿ التي تبغي ﴾: الفئة الباغية.
«تبغي: لا ترضى بصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم»([21])
﴿ حتى تفيء إلى أمر الله ﴾: حتى ترجع إلى حكم الله
﴿ وأقسطوا ﴾: واعدلوا
﴿ المقسطين ﴾: الحاكمين بالعدل.
أسباب نزول الآية
عن أنس قال : «قلت يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي ﷺ، فركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي قال : إليك عني، فو الله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار : لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، وكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات:9].». رواه البخاري ومسلم .
وقال تعالى: (وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ)[الرحمن: 9].
وقال سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ )[النحل: 90].
وقال صلى الله عليه وسلم: ((اتقُوا الظُّلْمَ؛ فإن الظلم ظلُمات يوم القيامة))[رواه مسلم].
الدرس الرابع
من صفات المسلم الحميدة
الآيات 11 -12-13
قال تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11)يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) ﴾
التوجيهات الربانية
أمرنا الله تعالى بعدم السخرية والاستهزاء من الناس فمن الممكن أن يكون الشخص الذي سخر منه أفضل عند الله ﷻ ، وكذلك أمرنا الله تعالى بعدم التنابز بالألقاب وتسمية بعضنا بعضا بأسماء قبيحة , وكذلك أمرنا سبحانه بأن نحسن الظن وعدم التعامل مع الناس بالشك والاتهامات الباطلة.
وكذلك أمرنا الله تعالى بعدم التجسس وتتبع العورات ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا” .
يقول بن كثير
يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا([22])
معاني الكلمات
﴿ لا يسخر ﴾: من السخرية والاستهزاء .
﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾: ولا يعب بعضكم بعضًا ولا يطعن فيه.
واللمز: بالقول، والهمز: بالفعل
﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾: ولا يدعُ بعضكم بعضًا بلقب يكرهه.
﴿ بئس الاسم الفسوق ﴾: الذي يفعل هذا يسمى الفاسق.
﴿ إن بعض الظن إثم ﴾: إنَّ بعض الظن ذنب يستحق صاحبه العقوبة عليه.
﴿ ولا تجسسوا ﴾: ولا تتبعوا عورات المسلمين ولا تبحثوا عن عيوبهم.
﴿ ولا يغتب بعضكم بعضًا ﴾: ولا يذكر أحدكم أخاه بما يكرهه، وإن كان فيه ما يذكره به.
﴿ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ ﴾ آدم وحواء عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم بنو آدم. وآدم خلق من تراب
كما قال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء. والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم. والتدابر: الصرم. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا} فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: “ذكرك أخاك بما يكره”. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته”. ورواه الترمذي([23])
يقول الامام الطبري
«يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) يقول: المهزوء منهم خير من الهازئين (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات، عسى المهزوء منهنّ أن يكنّ خيرا من الهازئات»([24])
يقول السعدي
أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب»([25])
حرمة المسلم
عن عبد الله بن عمر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: “ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خير. رواه ابن ماجه .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا”.رواه البخاري
وعن أنس [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام”. رواه مسلم والترمذي –
حرمة الغيبة
جاء في الآيات التحريم الشديد، في الغيبة والنهي عنها
يقول ابن كثير
ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} ؟ أي: كما تكرهون هذا طبعا، فاكرهوا ذاك شرعا؛ فإن عقوبته أشد من هذا وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، كما قال، عليه السلام، في العائد في هبته: “كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه”([26])
ولقد حرم الإسلام الأموال والأعراض فقال رسول الله ﷺ
“إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا”.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم”.
ورواه الترمذي
أسباب نزول الآية (11) :
عن أبي جبير بن الضحاك قال : «نزلت فينا بني سلمة . قدم النبي المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله ﷺ، إنه يكرهه ويغضب منه فنزلت ﴿ولا تنابزوا بالألقاب …﴾ [الحجرات:11].». رواه أحمد وأصحاب السنن .
أسباب نزول الآية (13) :
«لما كان يوم الفتح رقى بلال على ظهر الكعبة فأذن فقال بعض الناس : أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة ؟ فقال بعضهم : إن يرد الله شيئا يغيره، فأنزل الله الآية». رواه ابن أبي حاتم وابن المنذر .
ولقد نهى الإسلام عن العصبيات القبلية
فقال الله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً…] (سورة النساء)
فالناس جميعهم متساوون، عربهم وعجمهم، وجاء التفضيل بالتقوى والعمل الصالح
وعن أبي هريره رضي الله عنه قال : قال الرسول صلى الله عليه وسلم ُ : (إنَّ اللهَ قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليةِ وفخرَها بالآباءِ، مؤمنٌ تقيٌّ، وفاجرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدمَ، وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوامٍ، إنما هم فحمٌ من فحْمِ جهنمَ، أو لَيكونُنَّ أهونَ على اللهِ من الجِعْلَانِ التي تدفعُ بأنفْها النَّتِنَ) رواه أبو داوود وهو في صحيح الجامع.
الدرس الخامس
نعمة الإيمان
الآيات الكريمات من 14 إلى 18
﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (18)﴾
معاني مفردات الآيات الكريمة
﴿ الأعراب ﴾: قوم يسكنون البوادي والصحراء.
﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾: عندما يدخل الإيمان إلى قلوبكم.
﴿ لا يلتكم ﴾: لا ينقصكم.
﴿ لم يرتابوا ﴾: لم يشكوا في إيمانهم
﴿ أتُعلِّمون الله بدينكم ﴾: أتخبرونه – سبحانه وتعالى – بقولكم: (آمنا)؟! (والاستفهام للتوبيخ والإنكار عليهم فالله تعالى يعلم حالهم
﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾: يزكون ويتفضلون عليك يا محمد بإسلامهم
﴿ بل الله يمنُّ عليكم ﴾: فالله هو صاحب الفضل عليكم الذي يمن .
﴿ غيب السموات والأرض ﴾: ما غاب فيهما ولم تصل إليه العقول والإدراك
التوجيهات الربانية
بين الله تعالى أنه صاحب الكرم والجود على الإنسان فالله تعالى هو الهادي إلي الطريق المستقيم
ولا يجوز لأحد أن يمن علي الله تعالى ويتكبر بعبادة وطاعة فالله تعالى فهو المنان الكريم
وعندما فعل ذلك مجموعة من الأعراب أنكر الله تعالى عليهم، وبين سبحانه أنه يعلم ما في الصدور ومطلع عليه ، وأن درجات الإيمان أعلي من درجات الإسلام فالإسلام ظاهر والإيمان باطن خفي لا يعلمه إلا الله
ووصف الله تعالى حال الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ويشكوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون
ثم قال تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} أي لا ينقصكم من أجوركم شيئا {إن الله غفور رحيم} أي لمن تاب وأناب
يقول الصابوني رحمه الله
«أي زعم الأعراب أنهم آمنوا قل لهم يا محمد: إنكم لم تؤمنوا بعد، لأن الإِيمان تصديقٌ مع ثقة واطمئنان قلب، ولم يحصل لكم، وإِلا لما مننتم على الرسول بالإِسلام وترك المقاتلة، ولكنْ قولوا استسلمنا خوف القتل والسبي»([27])
سبب نزول الآيات
الآية (17) : عن ابن عباس قال : «قدم عشرة من بني أسد على رسول الله سنة سبع وفيهم طلحة بن خويلد، وكان رسول الله في المسجد مع أصحابه فسلموا وقال متكلمهم : يا رسول الله، إنا شهدنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثا، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، ونحن لمن وراءنا سلم، فأنزل الله الآية». رواه البزار والطبراني .
قال ابن كثير
قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة، وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح الأول أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يحصل لهم بعد فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، وإنما قيل لهؤلاء تأديبا: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} أي لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد.([28])
مراتب الدين
المرتبة الأولى: الإسلام
والإسلام: هو الانقياد والتسليم لله ﷻ، والخضوع له بفعل أوامره، وترك نواهيه، قال تعالى ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾[آل عمران:19]
وقوله تعالى: (ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/3، وقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) آل عمران/85
المرتبة الثانية: الإيمان
وهو قول باللسان، وتصديق بالجنان (القلب)، وعمل بالأركان (الجوارح)، قال الإمام أحمد بن حنبل: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
وقال الإمام الشافعي -كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة-: وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان: قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر.
قال صلى الله عليه وسلم: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون أخرجه مسلم
الإحسان لغة : هو فعل ما هو حسن، مع الإجادة في الصنع. وشرعا : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك.
ومقام المحسنين هو مقام الإخلاص [والمراقبة]
ففي الحديث : ” فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك”
قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٩٠﴾ سورة النحل.
ويكون الإحسان في كل شيء
مع الزوجة والولد والجيران ومع المسلم وغير المسلم وحتى مع الدواب والحجر والشجر فعن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته[اخرجه مسلم،].